رثى كتاب و ادباء العراق الاديب الراحل محيي الدين زه نكه نه بالعديد من الكتابات وهنا بعض مما كتبه مُحبيّ الراحل

( شبكة الانترنيت ) هي المصدر المعتمد لهذه الكلمات و لنشرها في عدد كبير من المواقع لم يتم الاشارة الى اسم موقع محدد

    محيي الدين زه نكه نه .......................................... ياسين النصير

 

كانت بيوتنا ملاذاً، تتحاشى جراد سلطة البعث، فتأتي بغداد، استضيفك في بيتي الى حين تخفت رياح السموم، وأرحل مسرعاً الى بعقوبة متجنباً جيوش الحرس وبنادقهم، فتستضيفني في بيتك، وفي قلب مكتبتك، أيها القلب الكبير لماذا غادرت ولم تكمل مشوارك الفني، ما زال حديثك معي قبل اسبوعين وأنا أتصل بك من هولندا ان تكتب شيئاً عن كامل شياع للملحق الثقافي، قلت لي: لا استطيع فالبصر اصبح كليلاً، والذاكرة متعبة بفقدان الأصدقاء، لديّ منه رسالتان، هل ينفع ان ارسلهما لك لتظهرا كمدونة بين مشاريع؟ قلت ارسلهما، فأي كلمة منك ستصنع صدى عالياً، لكامل شياع. وبالفعل رسالتان تتحدثان عن مشاريع كامل النواة، وكيف يخطط للثقافة ان تنهض..

بالأمس مساءً اتلقى خبراً، ومن داخل مقبرة السليمانية ان صديقك وأخاك محي يوارى الثرى، كان صوت القاص مصطفى صالح كريم متهدجاً وهو يخبرني، بأن محي الدين كان معي قبل يومين وها هو يغادرنا ملتفتاً إلينا ونحن غرقى في مشكلات الوطن..

لن تنفع الكلمات، ولا الرسائل، ولا حتى الدموع، فإنسان مثل محي الدين الذي يبكي دماً على فقدان أصدقاء له. أتذكر كلمته الحزينة عن القاص مهدي عيسى الصقر، وعن كامل، وغيره.. هذا الانسان النبيل الذي بقي متعلقاً بأمل الكادحين والفقراء بعد ان صورهم في قصصه ومسرحياته ومدوناته الخاصة، بقي أميناً لأفكارهم، لرؤاهم ولمواقفهم، محي الدين الذي عرفته منذ اول مسرحية له "الجراد" حين طلب مني وانا في البصرة وما زلت طرياً في الكتابة ان اكتب لها مقدمة.. كتبت شيئاً قصيراً، وصفت الجراد، بجراد السلطة الزاحف على اخضر العراق..

وداعاً أبا آزاد، فما زلت حبيس الفؤاد وانا اكتب عنك هذه الكلمات، مازلت محتدما بالحقد على كل من منع عنك علاجااو تقاعس عن مد يده لانقاذ عينيك..

عزاؤنا بفقدك كبير جداً، سيبقى مكانك في المسرح العراقي فارغاً، وستبقى الكتابة بدونك ناقصة.. فأنت لست كاتباً جئت لتغادر، بل جئت لتحضر في ارضنا الثقافية: السؤال، وتكلم يا حجر، وئاسوس.. وهم.. واعمال كثيرة اخرى..وداعاً.. وداع الصديق الذي لم ينس يوماً انك كنت ملاذاً له، عندما يهاجم من قبل أوباش الثقافة والسياسة

22-08-2010

 

 

    رحيل جبل يدعى محيي الدين زه نكه نه ....................... صباح الانباري

 

الصباحات كلها

توقيتات ملائمة لهوسي في القراءة، والكتابة

الصباحات تترى على مناويلها في القراءة، والكتابة

إذن لماذا توقفت عن مناويلها في هذا الوقت المبكر من نهار 22/8/2010 ؟

 

في الصباح وعلى فراشي سألت نفسي 

ما الذي أطال سهرتها حتى أدركها الصباح؟

كانت تحدق في الشاشة البيضاء دون أن يرف لها جفن، أو تغمض لها عين

سألتها ما الذي أبقاك ساهرة فانفجرت ببكاء مرير..قلت وأنا أتوجس خيفة

ما الذي يبكيك؟!

قالت من خلال نشيجها:

"رحيل.. أبو آزاد...أبو آزاد.....مات"..وأجهشت ثانية بالبكاء.

 

كل الذين يعرفونني يعرفون محبتي لهذا الرجل الملائكي في كل شيء، ويخشون من أن يصعق قلبي بما لا طاقة له عليه

"أبو آزاد مات"

يا للهول..يا للمصيبة..يا للفاجعة..يا للموت الكريه الذي يسمونه (الحق)..ماذا أفعل؟..ماذا أقول لنفسي؟..وبماذا أحدث قلبي

..أو ابرر له هذا الرحيل المفاجئ؟ أبو آزاد الأغلى من الروح..من روحي يرحل بكل عظمته بهذه السهولة!

 

احتضنت وجهي براحتيَّ، وكاد قلبي يتوقف عن نبضته الأخيرة عندما تراءت له صور لا رابط لها أو بينها.

 

إذن غادرت يا أبا آزاد!..ألم تقل قصاصة زوجتي التي تركتها على سطح مكتبي أنك غادرت؟ ألم تقل: 

" صعقت وأنا أقرأ نبأ وفاتك من على شاشة التلفاز..أيها العزيز الغالي على قلبٍ لفه حزن ما بعده حزن،

وألم يكاد يشطره نصفين..هل أبكيك يا أبا آزاد؟ أم أسطر بضع كلمات كما يفعل الآخرون؟..هل يكفي أن أتذكر

أنك كنت نعم الأخ في عتمة سنين مضت؟.........." 

 

حضر كل شيء وغاب عني كل شيء، وبين استرجاع، وآخر كنت أكرر السؤال الملح الذي لم استوعب إجابته حتى

هذه اللحظة:

هل رحل أبو آزاد حقاً؟!..هل خلَّف وراءه روحاً لم تكن تعرف من هو أغلى منها ألاه؟

"الأغلى من الروح أبو آزاد"

..هكذا كنت أبدأ ايميلاتي له، وكان يعرف أنني أعني ما أقول، ومع هذا لم يمهل روحي لتفديه بروحها.

 

أبو آزاد لم يكن مريضاً بالقلب..لم يعانِ إلا من السكري الذي طالت إقامته في دمه النبيل فكيف يموت بنوبة قلبية؟*

صداع رهيب لم يبرح رأسي المتعبة..وألم في القلب جعلني أنكمش على بعضي فهمست لنفسي أن اهربي

من الألم إلى الكتابة كما اعتدت في مناسبات الألم الممض ولكن ما عسى الكتابة أن تفعل؟ هل تعيد إلي من أَحبه قلبي؟

..هل ترجع الزمن الهارب من بين حروفها؟..هل توقفه عند نقطة ما قبل الرحيل؟..هل.....................................

وخنقتني العبرة، والغربة، ومرارات الفراق فانهمرت أمطار دموعي بحرقة ثاكل أتعبتها ليالي الفراق..ومواجع العراق.

وبين مصدق ومكذب لما سمعت رحت أحدق في شاشة التلفاز علي أحظى بتكذيب تمنيته لنفسي

"اتحاد الأدباء ينعى الروائي والكاتب المسرحي محي الدين زنكنه اثر نوبة قلبية في

السليمانية"

إذن غادرت يا أبا آزاد!..ألم يقل التلفاز أنك غادرت؟

ولكن لماذا..ها؟ لماذا لم تمنحني لحظة وداع واحدة؟..لماذا رحلت قبل أن أطبع على جبينك قبلتي الأخيرة؟

 

فرقتنا الآلام وجمعتنا على دروب البلاد الجريحة..هربنا من جحيم المفخخات والمفخخين.. سبقتك في الرحيل عن

بعقوبتنا لأنهم حاصروني بالموت الرخيص وما كنت أعرف أن الموت سيأخذك على حين غفلة مني. ما عساي

أقول لابنك أو ابنتيك أو زوجتك الحنون؟.. وهل سيعذرون غيابي عنك خمس سنوات خلت بعد أن أكدتَ لهم مراراً وجهاراً

أنني أنا الذي لا تقل معزته عن معزة آزادك الجميل؟

أي ابن جاحد أنا..

اللعنة عليَّ..

على روحي التي لم تفدك بروحها..

على غربتي التي لم تمنحني القوة كي ارجع إليك..

يا وطني الذي اختطفك الموت في غفلة مني..يا

أستاذي الفاضل،

يا جبلي الأشم، وصديقي الذي علمني معنى أن يكون الإنسان صديقاً

أعتذر لك عن غفلتي هذه فهل ستقبل اعتذاري؟

أعتذر لك عن غفلتي هذه فهل سـ.. ؟

ستصفح عني ولو في حلم يقظة عابرة.

إنني أنتظر وحسب.

صباح الانباري

22/8/2010

 

 

    رحيل من غير وداع ......................................... مصطفى صالح كريم

 

 

زارني كعادته يوم الأربعاء 18/8، وهي زيارة اسبوعية معتادة تحدثنا خلالها عن آخر الأخبار الثقافية والنتاجات الأدبية الحديثة، ثم تطرق بنا الحديث عن سفره المرتقب الى الخارج لمعالجة عينيه المتعبتين من القراءة والكتابة، لم يكن يشكو شيئاً سوى عينيه، وقبل ان يغادر المكتب اتفقنا على اللقاء يوم الأحد القادم، واذا به لأول مرة يخالف الوعد ويغيب عنا قبل الموعد بيوم واحد. حين تلقيت النبأ هاتفياً أصبت بصدمة عنيفة هزتني من الأعماق، هل يمكن ألا ألتقي محي الدين زنكنه بعد الآن، ذلك المبدع الذي بهرني وانا مبعد في الرمادي بروايته أسوس، كما أعجبت قبلها بمسرحياته الجادة التي اشتهر بها ككاتب مسرحي ممتاز، ثم تحققت أمنيتي والتقيت به في آب 1978 في مصيف (سري سرش) خلال انعقاد ملتقى القصة العراقية، وتصادفنا، وتعددت اللقاءات والزيارات، كنا- نحن مجموعة من الأصدقاء في السليمانية- نترقب بفارغ الصبر قدوم الفارسين الرائعين جليل القيسي ومحي الدين زنكنه للمشاركة في مهرجانات المسرح، كم كانا عزيزين وغاليين علينا، لقد كانا ثنائيين جديرين بالإحترام والتقدير. *وفي سنوات القمع والإرهاب كلما كنت أزور بغداد أخابره هاتفياً ليحضر بغداد فكان يأتي قادماً من بعقوبة على الفور، لنلتقي فاضل ثامر وياسين النصير ومحي الدين زنكنه وانا حيث نقضي سهرتنا في نادي صلاح الدين وتطول بنا الجلسة وتتشعب الأحاديث ونحن لا نشعر بالوقت. * في سنوات ما بعد الإنتفاضة كان واحداً من الكتاب القلائل الذين كانوا يبعثون بموادهم الى صحيفة الاتحاد بأسماء مستعارة وكنت انتظر دائماً مقالاته وتعليقاته الساخرة على النظام التي كان يرسلها وهو يعرف بأنها مجازفة، لكنه كان حريصاً على ان يكون له صوت في صحيفة (الإتحاد) المعارضة للنظام التي رفعت شعار اسقاط ذلك الحكم الديكتاتوري. * بعد تحرير العراق وحين اصبحت حياته في خطر، بعد أن تلقى التهديداتً من قبل الإرهابيين، استضافه الاتحاد الوطني الكردستاني ودعاه للإقامة في السليمانية، وقد عرض عليه وظيفة رفيعة المستوى لكنه لم يقبلها وآثر العمل في الوسط الأدبي والثقافي حيث استقر في مؤسسة (سردم) مشرفاً على مجلة (سردم العربي) فضلاً عن مواصلته الكتابة الى (الاتحاد) وانشغاله بكتابة الروايات والمسرحيات. * الحديث عن محي الدين زنكنه هو حديث عن رجل مبدع غزير الانتاج، عن كنز كبير من الثقافة، عن الأديب الذي فازت مسرحياته ورواياته بالجوائز الأدبية الرفيعة لا في العراق فحسب بل في مختلف العواصم العربية. * في رحيل (محي) بكت اقلام كثيرة، وذرفت العيون دموعاً غزيرة، لأن الوسط الثقافي العراقي والكردستاني خسر مناضلاً شريفاً لم ينحن أمام الديكتاتور، ولم يكتب حرفاً في مدح النظام مواصلاً ابداعاته الأدبية الرائعة التي ستظل المكتبة العراقية تفتخر بها. * وداعاً يا أبا آزاد، يا مبدع الكلمات، ويا من كنت خير مدافع عن شرف الكلمة الطيبة. ستبقى ذكراك خالدة في قلوب المناضلين والأدباء والمفكرين والمسرحيين والأصدقاء الذين احببتهم وأحبوك.. والى الخلد أيها العزيز الغالي.

 

 

    في وداع محيي الدين زه نكه نه ............................. د. غنام محمد خضر

 

الوداع أصعب شيء في الوجود خصوصاً عندما نودع شخصاً عزيزاً علينا، في ذهني الكثير من الأشخاص الذين أجد نفسي كثير التفكير برحيلهم وكيف ستكون حياتي من بعدهم هل ستكون سعيدة أم حزينة؟! لا أعرف لماذا هل هو حب مفرط أم شيء آخر؟! إلا أنّ محيي الدين زنكنة لم يكن ضمن القائمة التي أحتفظ بها لنفسي. رغم حبي الشديد له وقربه من نفسي، وأتصور أن سر هذا الإحساس يكمن بنوعية العلاقة التي تربطني به.. ذلك أنني كلما التقيت به أشعر أنه عاد سنوات إلى الوراء فنشاطه متزايد رغم تقدم سنه، وأحس أن لديه الشيء الكثير الذي سوف يقدمه للأدب والثقافة والفن والإنسانية، لم يعرف الكسل ولا الملل كأنه خُلق من أجل الكتابة والقراءة، واستمر على حاله حتى اللحظة التي فارق فيها الحياة، كلما إلتقيته أشعر أني أمام إنسان استثنائي في كل شيء، في الأخلاق والمبادئ والسلوك والمنهج، ومن يريد أن يتكلم عن الأديب الملتزم ليس بمقدوره تجاوز محيي الدين زنكنة، لأنه في الحق ملتزم في كل شيء، علاقتي مع الأستاذ محيي الدين زنكنه (رحمه الله) تعود إلى عام 2004 عندما كنت أكتب رسالة ماجستير عن مسرحية الفصل الواحد في مسرح محيي الدين زنكنة تحت إشراف الدكتور فائق مصطفى، حينها كان الأديب يسكن في مدينة بعقوبة فزرته في بيته، والتقيت به اللقاء الأول، وكانت الريبة مسيطرة عليّ بادئ الأمر، إذ كنت مسكوناً بفكرة طالما نبهنا عليها أساتذتنا الأجلاء وهي أن للأدباء مزاجاً مختلفاً وطبعاً مغايراً في الغالب عما نقرأه في كتبهم، وكنت كلما قرأت سيرة الأستاذ محيي الدين زنكنه الحافلة بالانجازات المهمة من إصدارات وجوائز، تزداد ريبتي من اللقاء والجميع يتفق على خصوصية اللقاء الأول وما يحمله من انطباعات من شأنها أن تنعكس فيما بعد على نوع العلاقة، لكن ما أن جلست معه وفتحنا باب الحوار حتى عرفت أنه إنسان هادئ ومتواضع ويحمل خجلاً عجيباً ولايجيد الكلام عن نفسه أبداً، كنت أظن أن اللقاء سيكون بطريقة تحمل طابعاً رسمياً لكن حصل العكس تماماً، وعلى الرغم من قصر اللقاء فإنه كان كافياً لمعرفة ولو الجزء البسيط عن حياة الأديب بشكل عام، وعندما سألته عن إمكانية حصولي على أرشيفه أجابني على الفور، بأن أتصل بصباح الأنباري الذي يعرف عنه كل صغيرة وكبيرة، ثم أردف قائلاً جملته التي كثيرا ما سمعتها منه لاحقاً (أتمنى أن استحق ما يكتب عني!)، واكتشفت كذلك أنه يحمل تواضع العلماء، وفكر المبدع الملتزم تجاه واقعه، فكان لهذا اللقاء مردود إيجابي ودافع قوي في التعامل بمحبة ومسؤولية عاليتين مع متنه المسرحي، لأن زنكنة إنسان متصالح مع ذاته، يعيش هموم الإنسان ويجسدها في نصوصه، وهذا ما جعله منفتحاً في بعض نصوصه على العالمية بعيداً عن الأطر الجغرافية والزمانية الثابتة، استمرت علاقتي بزنكنة حتى بعد انتهائي من كتابة رسالة الماجستير، وقد ساعدني انتقاله إلى السليمانية على اللقاء به كثيراً وكنت كلما التقيت به اكتشفت أشياء أخرى تزيد من إعجابي به، فهو أنموذج مثالي للمثقف الحقيقي والموسوعي الشمولي الذي تتعدد مرجعيات ثقافته من المحلية العراقية إلى العالمية. أما لقائي الأخير معه فكان قبل شهر تقريباً إذ زرته يوم الأحد الموافق 17/7/ 2010في منزله في السليمانية برفقة الأديبة الأردنية سناء الشعلان التي كانت تتوق إلى اللقاء به والتعرف عليه عن كثب ولاسيما بعد أن قرأت وكتبت عن مجموعته القصصية، وسلمتُه حينها مخطوط الكتاب الموسوم ((نظرات نقدية في عالم محيي الدين زنكنه الإبداعي)) الذي أنجزناه أنا ومجموعة من أساتذتي وزملائي الأكاديميين، وبعد أيام كلمني (رحمه الله) وقال لي رصدت عدداً من الأخطاء الطباعية في الكتاب، فقلت له سأعيد النظر مرة أخرى في الكتاب، فقال بكل تواضع إذا تسمح لي سأراجع الكتاب وأُصحح الأخطاء الطباعية وأرسله لك، فأجبته بأني لا أريد أن أتعبك _خصوصاً وأنا أعرف أنه عاد يوم لقائي الأخير به من أربيل إذ كان في إحدى المستشفيات المختصة بالعيون_، فضحك رحمه الله وقال لا عليك أنا لن أفارق القراءة والكتابة حتى افقد بصري تماماً أو أرحل عن الحياة، فاستغربت لإصراره هذا، ثم بعد مرور يوم واحد فقط وجدته أرسل لي الكتاب على الإيميل بعد أن صحح الأخطاء، وفي الوقت نفسه كان شديد الفرح بهذه المبادرة وقال جملته (أتمنى أن أستحق مايكتب عني)، وقبل ثلاثة أيام فقط، اتصل بي رحمه الله الاتصال الأخير وسألني عن طباعة الكتاب، كما بلغني بأنه يريد أن يطبع أربعة نصوص مسرحية في كتاب مستقل وتحديداً خارج العراق ليضمن توزيع الكتاب بشكل كبير، ثم كلمني رحمه الله على التزامه في الموعد وحرصه على ذلك، كما بلغني بأنه يحتفظ لي بعدد من جريدة الاتحاد، إذ أصبح في الفترة الأخيرة يحتفظ لي بأعداد من جريدة الاتحاد كلما وجد لي مقالا فيها ثم يرسله لي مع الأصدقاء.... رحل زنكنه عن الحياة لكنه لم يرحل عن ضمائرنا وذاكرتنا فهو موجود فينا، وحبه متجدد كإبداعه الذي ظل يتجدد أكثر من نصف قرن، رحمك الله يا أستاذي القدير وأسكنك فسيح جناته.

22-08-2010

 

 

    محيي الدين زنكنه أخر عناقيد الإبداع العراقي ........ رثاء مر / زيدان حمود


الإثنين 23-08-2010

في الوجع القادم إلينا غفلة تكمن المرارة والنشيج ، وهما حصيلتان حتميتان لأثر الفقدان .. والفقدان في دائرة الإبداع العراقي حصرا ، أمرا ليس سهلا على الإطلاق فبالرغم من قساوة الموت المترادف في حياتنا ، كما الطلع المبثوث في رياح صنعتها المحنة ، كبديل عن الاسترخاء والرخاء .. فقدرنا دائما أن نعيش أمواتا في آتون ملتهب من الحكايات واللاجدوى .. كما ( العلبة الحجرية ) التي امتصت رحيق الأنثى في مكان بعيد مختلق ، أبتدعته مخيلة محيي الدين زنكنه .. عطر المسرح ورحيقه العذب ، ذاكرة العراق الأدبية في أثبات الوجود ، تلك العلبة التي نكون فيها نحن دائما أشبه بالمخلوقات المتحجرة التي تجتر الحكايات وتصدقها ، مثلما صدقتها أنثى زنكنه المتوهجة بالشباب والحيوية وهي تستمع إلى حكايات السيدة ( أرمز ستون ) العجوز المتهالكة التي تصف لها الحياة خارج علبة أمريكا الحجرية ، وكأنها الكابوس المهلك الذي يمتص رحيق الشباب ويحيله إلى مجرد ذكرى عابرة في وجود ثابت فعلي متكامل لا يعوض .. فالشمس محرقة خارج العلبة ، تحول بياض الأجساد إلى سواد فاحم ، والمطر محرق كحامض النتريك ، وحتى الهواء قاس ومدمر .. هكذا هي الحياة خارج تصور الأنثى المرسومة مخيلتها في عند مساحات العجوز الحكائية ، ولكن ما أن تفيق الفتاة على استنارة الخارج المخبأة في عمق الإنسان الباحث عن الحرية ، تكون الأفكار قد استقرت وتشبعت في دواخلنا نحن المنشغلون التائهون في أقبية الحزن المغلقة على هواجس زنكنه ، وتداعياته وبحثه الدائم عن الخلاص والحرية والهجرة بعيدا عن القسر والعذاب .
محيي الدين زنكنه كاتب مسرحي من الطراز الأول ، أشتغل على الكلمة طويلا فكانت رديفا ملاصقا للفعل المؤثر داخل الحدث المتنامي لأغلب مسرحياته الحائزة على الجوائز المسرحية في مواسم المسرح العراقي السنوية .
* ( الجراد ) جائزة الكاتب العراقي في المربد عام 1970
* ( السؤال ) جائزة أحسن نص عراقي للعام 1975
* ( العلبة الحجرية ) جائزة أحسن نص عراقي عام 1982
* ( رؤيا الملك ) جائزة الدولة للإبداع عام 1999 .
ومع حصاده للجوائز في التأليف المسرحي ، ألا انه روائي مبدع ومتألق كتب ثلاث روايات أهمها ( أساسوس ) تيمنا بالطائر الذي يموت عندما يبتعد عن طبيعته ومكانه الذي يبني فيه عشه الأول ، وهي قصة حياة رجل كردي هجر من أرضه وبيته ووطنه رغما عنه ، إلى مكان آخر غريب عليه، فيكون كما ذلك الطائر يعيش حياة مليئة بالغربة والاشتياق ، لا شيء فيها سوى ذكريات راسخة في الوجدان عن أرض ووطن أصبحا بالنسبة له كأحلام البحارة المنسيين وراء بحار لا شيء فيها سوى الأمواج التي تتلاطم بعيدا عن اليابسة .
يابستنا لا تعدو سوى اشتياق لكلمات عابرة ، قيلت في مقابلات سريعة وابتسامات توزعت على تفاصيل الوجه الذي حفر الزمن على تضاريسه المحببة إلى النفوس أرقى علامات الهدوء ، والتأمل تعكسها عينا أبا أزاد حبا ومودة وعرفانا بالتواصل والبحث عن كلما هو جديد ومثمر .
محيي الدين زنكنه ليس كلاما عابرا ينسخ على ورق الذكريات ، ليكون موسما من مواسم التأمل والاشتياق في مرور السنوات المتعاقبة على رحيله تباعا .. انه كاهن الوجد المتلبس في ثنايا النص ، وراهب في صومعة المسرح الذي تتناغم معه إيقاعاته كعازف متمرس على أوتار الكلمات ، التي بحث في مفرداتها طويلا عن مسميات هي غايته في الوصول أليها دائما .
الحرية .... جذوة الأمل البعيد لإيجاد ذروة الفعل المشاكس عند الإنسان المنفي في داخل ذاته ووجوده ، في ظل الحكومات القسرية المقيدة للفكر والعواطف التي لا يكون في أجوائها سوى البحث عن الخلاص .
ذلك هو محيي الدين زنكنه رجل المسرح العراقي الأول في التأليف ، وآخر عناقيد الإبداع العراقي النبيل الذي اقتطفته يد القدر في غفلة من الجميع وفي ساعة من أنقى ساعات التجلي للوصول إلى السمو والخلود الذي سيثبت أسمه على لائحة المبدعين الخالدين في عطائه الثر الذي ستتناقله خشبات المسارح جيلا بعد جيل .. رحمه الله وجعله مع الخالدين أسما وذكرى

 


    محيي الدين زنكنه.. كم قلت لي: هذا خيارنا وليس قدرنا .........لطيفة الدليمي

 


بتاريخ : الثلاثاء 24-08-2010


لطفية الدليمي
أبو آزاد العزيز ، لن أقول وداعا أيها الأخ الكبير بإبداعه الباهر ونقاء سريرته وترفعه الروحي ، سيد الإبداع المسرحي والروح المقتحمة المتعالية على الألم ،أنت الأبقى في الذاكرة بنبلك وزهدك وعذاباتك الطويلة ومنجزك المفعم بالقوة والتحدي والجمال ، كنت أضع كتبك التي تهديها لي بمصادفة غريبة مع كتب الصديق المشترك مبدعنا الذي لا يبارح الذاكرة جليل القيسي ،

كنت تقول لي :دعينا نشد من أزر جليل فإنه يصاب أحيانا بموجات من اليأس ولنسنده بتفاؤلنا وإبداعنا ، جليل رقيق جدا ويصعب عليه تقبل سواد العالم ، لن نيأس يا صديقة القلم والابداع ولن نتوقف ونحن نملك كل هذه الرؤى والأحلام والمواقف ..
معتكفا ومنتجا لم يترجل قلمك يوما، كنت ترفد حياتنا بمسرحياتك الجدلية الكاشفة ونصوصك الجريئة ،وكنت تقول لي :هذا دور المثقف أن لا يتراجع ، أن يمضي قدما وسط الأشواك والألغام والحاجة والاعتصام بالصمت أحيانا ، هذا ليس قدرا،بل هو خيار شجاع يالطفية، خيارنا الواعي تماما وليس قدرنا ..
وحين أسسنا الجمعية العراقية للثقافة مع حشد خير من المثقفين اتصلت بك لتكون معنا بحضورك الثقافي الكبير ومنجزك المسرحي ومواقفك الفكرية الباسلة فقلت لي : وهل يعقل أن لا أكون معكم ؟؟ لكن السفر من بعقوبة إلى بغداد، صار يشكل معضلة ترتبط بالوضع المتردي في المدينة وصعود العنف ..
لطالما التقينا في التسعينيات حين كنت تسعدنا بحضورك النادر إلى بغداد خلال المواسم المسرحية وبعض المناسبات الثقافية التي نقتنصها مناسبة للقاء الأصدقاء مبدعي العراق الكبار القادمين من البصرة وكركوك والحلة وبعقوبة وغيرها من المدن التي تزخر بالإبداع والمبدعين، وكان يربط بيننا - حين يعز التهاتف- الصديق المبدع الكبير (جليل القيسي)، وعندما تغير رقم هاتفك في بعقوبة ، اتصل بي جليل بكل رقته وتهذيبه الراقي ، طلبتني السيدة عقيلته أولا وتحدثنا عن صحة جليل وكان يعاني حينها من مشكلة في ساقيه ثم تحدث هو وأعطاني رقم هاتفك الجديد بعد ان أخبرته بقلقنا عليك في بغداد، وعندما كانت تتقطع سبل التواصل ،كان أحدنا يتصل بجليل أو عقيلته العزيزة او تتصل أنت بي لأنك عجزت عن الاتصال به ، لنطمئن على أحوال بعضنا وكأننا عائلة واحدة ترامت فصولها وامتدت جذورها بين بغداد وكركوك وبعقوبة ، وغالبا ما كان حديثنا انا وجليل صباحات أيام الجمع – أنا وجليل أكثر -يخبرني بآخر إنجازاته وقصصه الرائعة ويقول بتهذيب جميل ولياقة عالية لا يجيدها الا كاتب متجذر بالحضارة والقيم المعاصرة معا : كتبت قصة وأهديتها لك ستظهر في مجلة الموقف الثقافي وسيفرح محيي لأنه يحب إبداعك ويجل شخصيتك ،يا للنزاهة ويا للرقي الذي كثيرا ما نفتقده في أوساطنا المتشنجة ،كان جليل يقول: الأصدقاء يلتقون الان في شارع المتنبي أو مقهى الشابندر ونحن نتواصل ونناقش قضايا الثقافة وشجونها على الهاتف، ويطلق ضحكته الصافية ، كان صوته الشجي يرتعش وهو يتحدث عنك يا أبا آزاد بحب عميق وإكبار وكنت أنت ومنجزك وجديدك مدار حديثنا في معظم حواراتنا ..
كنـا نتهاتف بين فترات متقاربة في الفترات الحرجة بعد السقوط ، أنت في بعقوبة وأنا في وحشة بغداد أوان بدء ظهور الميليشيات والعصابات الغريبة وصعود الإرهاب و فورة صعود التشدد في بعقوبة وكنت تبوح لي بثقة الصديق وقوة المناضل وثبات إنسان المواقف الكبيرة ، انك في خطر ,وأنك والعائلة تتجنبون الخروج من البيت إلا للضرورة لأن شوارع بعقوبة غدت مرتعا لمجاميع القتلة والمسلحين والغرباء من المتشددين، كنت اتصل بك وأنت تعاني من تدهور بصرك وتقول لي : كيف أعيش ما تبقى من سنوات العمر دونما قراءة وهي متعتي الوحيدة وعالمي الرحب ؟؟ إنها يالطفية ملاذ من هم في مثل حالتي وأنا سجين أسوأ التوقعات فقد يداهم المنزل مسلح من هؤلاء، لم نعد في أمان هنا ، لم نعد في بلاد آمنة..
انتقلت إلى السليمانية وغادرت انا الى هجرة موجعة لم اعد اسمع صوتك وصوت ابنتك العزيزة وهي ترد على الهاتف او أتلقى ايميلا باسمها او باسم آزاد منك ( لم تكن تميل إلى استخدام الكومبيوتر) ..
كان لقاؤنا في بعقوبة أواسط الستينيات في مناسبة عائلية وسط بساتين البرتقال على نهر ديالى، جلسنا على جرف ديالى نتأمل طوفانه المنضبط وننصت الى حفيف شجر الطرفاء على الضفاف الرملية الذي تمازجه نداءات طيور وحفيف اجنحة، في ظهيرة شتاء شباطي ، بعد الغداء والبساتين مزهوة بذهب برتقالها وأشذاء ربيع مبكر،دارت بيننا حوارات حيوية عما ستؤول إليه أحوالنا في القادم من الأيام، كنت انت مراقبا من قبل السلطة بعد خروجك من المعتقل ،حتى أن مجيئك إلى البستان كان بخدعة، أحضرناك بسيارتنا الصغيرة واخفيناك عن عيون رجال الأمن الذي يتربصون بمنزلك،البعض من الحاضرين كان مطاردا ، كنا مشحونين بالآمال العظيمة يا أبا آزاد رغم أننا كنا نروي وقائع المعتقلات ونضحك وكأن الآمر يخص سوانا ، وكأننا نروي قصة فيلم قام بأداء أدواره ممثلون غرباء ، كنا في ريعان الشباب والحماسة والاندفاع حينها، لم نعرف الخوف او الصمت ، أحد الأقارب الحاضرين كان قد اعتقل لفترة طويلة لان المخبرين أمسكوه وهو يخط على جدران مدينة المقدادية عبارة ( السلام لكردستان ) وهو العربي، كانت قضية كردستان قضيتنا جميعا يا أبا آزاد ولم تكن قضية الكرد وحدهم قط ..
أبا آزاد ، أنت لم ترحل لأنني لم أودعك، فأنت عندما غادرت مرغما وبسرعة لا متوقعة إلى كردستان لم تودعني بعد ان صار تهديد حياتك أمرا واقعا من قبل الإرهاب والعنف في بعقوبة ، ولأننا أساسا لم نفترق يا أخي المبدع الكبير، فإن موضوعة الوداع لا تخصنا ، ليست لنا ، الوداع يحدث بين المفترقين حقيقة ، أما انت وأما جليل ، فقد تحركتما في الأمكنة حسب ، لم تغادرا أبدا ، المغادرون هم من لا يتركون بصمة او رنين ضحكة او شعاع أمل و منجزا مشهودا له بالتميز ، صوتك وصوت جليل يتردد في مسمعي كلما ذكرت كركوك أو بعقوبة أو بساتين البرتقال أو قلعة كركوك، أنتما غيرتما إيقاع الأيام حسب، تركتما الزمن وأفلتت خطواتكما من قيوده، وهاأنتما تخلدان في الأبدية وتعيدان معا سرد الوقائع وتضحكان ،لسنا في وحشة اليتم لأنك يا أبا آزاد تشد أزرنا بقوتك كما كنت وأنت ضمن إيقاع زمننا ، أسمعك تقول لي: هذا ليس قدراً يالطفية، إنه خيارنا،ولن نكون نحن كما نحن بدون هذا الخيار ..

 

    صوت محيي الدين زه نكه نه ............................................. محمد ثامر

 

2010-08-24

ظلت تلفتني على الدوام مكالمات الراحل المبدع محي الدين زنكنه، وظللت مستمتعا بها، هي عالقة كلها في ذهني الان، وستظل، مكالمات السنوات الاخيرة اوتقريبا منذ ان انتظم في الكتابة بالاتحاد. تلك المهاتفات العديدة التي اتذكرها وبأستطاعتي ان احصيها وأستعيد تفاصيلها تماما، حتى وان كان بعضها يجري عبر شبكة رديئة في احيان، الا اني كنت اجهد النفس لاسمع صوته بوضوح في كل مرة، فصوته مع اصغائي كان ينساب كما ينساب صوت فتى خجول وحالم، يسأل ليطمئن على كتاباته، هل وصلت ام لا، ومتى تنشر، ان كان لها حظ في ذلك( يضيف في كل مرة)فيوقعني في حرج التلميذ امام استاذه.وبينهما او خلال ذلك كان يحدثني موجزا عن اشياء اخرى بأدب جم، ثم يودعني . في لب هذا وفي عمقه، تكمن مفاجأتي به دائما ، او حتى ارتباكي معه، وخجلي انا الآخر في مرات، اذ كيف سأرد على رجل مثله،يحدثني بهذه الطريقة، رجل كأنه

يكتب للمرة الاولى، منتظرا وقع مايسطره في نفوس الاخرين،(سائلا بالمرة على ادباء بغداد، كيفهم؟) لكني من جهتي خلصت الى تلك الحقيقة المخفية او التي يحاول المبدعون الحقيقيون” فقط” اخفاءها جاهدين عدم الحديث عنها ، محتفظين بتلك الجذوة الازلية في صدورهم، وقصدي تلك العلاقة الغائرة الحميمية بينهم وبين الكتابة، قوة الجذب التي يبنيها الكاتب وحده مع كتابته، أخلاصه للكلمات مثلا واستمراؤها حتى النهاية بلا ملل وبنهم منقطع النظير، أقصد ايضا ذلك العنفوان غير المرئي الذي بأمكان المرء المتصالح ان يتلمسه من كلماتهم ومن كتابة بهذا النوع.. عرفت ايضا اخلاص زنكنه وتماهيه المطلق مع مايدونه وشعوره الحاد (الممزوج بشيء من الاسى) بموضوعة كتابته وهي في عمومها مواضيع انسانية مكثفة لاتخطىء حال الانسان واوضاعه.. مازلت أسمع صوته يرن في أذني، يسألني عن بغداد، وعن الاصدقاء، صوته الذي اسمعه بوضوح الآن، وكأنه أقفل حرارة هاتفه النقال توا، في هذ اللحظة

 

    “ محيي الدين زنكنه” يَرْحَلُ الكبارُ ولا يَرْحلون ................... الملا أبو بكر

 

25-08

الملا أبو بكر

الموت حدثٌ عاديٌ في تاريخ البشر، موعد مع النهاية مؤجلٌ منذ أن وُلدنا، قدرٌ تُرَحلّهُ إرادة الحياةِ – وحصْةُ البشر فيها – من يومٍ إلى آخر، ينساه الحيّ لكي يحيا، وقد يتذكره أحياناً : في المرض، حين رحيل صديق أو قريب ، في الشدائد والحروب وأهوال الدنيا...، لكنهُ لايلبث أن يقاوم الذكرى بالنسيان.. لكي يُهرّبَ النسبي من أحكام المطلق (الله) ويمضي في مغامرة سريعة أسمها الحياة. وكلمّا أعدَّ الإنسان للحياةِ القصيرة أفضل ظروف الزيادة كان زمن الوجود بين العدمين أخصب، وكان للوجود معنى لايَجْبه العدم ولاينسخهُ الفناء. فليس ضرورياً أن تنعت المعنى الكبير للوجود السريع بالخلود الأبديّ لكن بعض الكلام الغيبي عن الخلود يُناسب هذا النوع الرفيــــــع من الوجود الذي لايقوى الموتُ على أن يُفنيه إذْ هـــو يُفني صاحبه بدناً ويوميات. لا يموت الكبار، لكن لموتهم وقعَ الرهبةِ في النفوس إذْ يمدد في الناس بقاءهم وشعور الأحياء بالأبدي. يصعدون إلى فوق حين يهبط معدل النسبي واليومي فيهم، ويذهبون إلى الأبعد كلما أقتربوا من المعنى العميق للحياة كلحظةٍ مقتنصة في ملكوتِ العدم المطلق. الكبار وحدهم يهزمون الفناء ويحولون معناه إلى معنى نسبي فينتصرون على حادثة الرحيل. لا مستحيل مع الممكن، ولا ممكن يستحيل في لعبة الحياة حين تحكمها الإرادة وتفرض عليها المعنى الإنساني. الكتابة ، الفن ، الفكر، الإبداع، المعمار... شواهد على أنتصار البقاء على الفناء وأدوات لذلك الأنتصار. تفرض الطبيعة والسماء حكمها على الجسد، لكن الروح الإنساني يسمو على المادي ويفرض على الزمن زمنه الخاص: الزمن التاريخي العابر للأجيال والأحقاب ونواميس الطبيعة، أي زمن البقاء الفائض عن أحكام الفناء. ينتصر الإنساني على البشري، الروحيّ على المادي، المعنى على حامله المتعين، فيستولي على عرش البقاء تراه كذلك في غير صورة وشكل: في فكرة كبيرة تتداولها الأجيال لألاف السنين! في أعمدة ونقوشٍ في المعابدَ حجتْ إليها أممٌ من الناس بين متعبد وسائح! في ساحات عامة تنتصب فيها تماثيل البطولة الأسطورية، في قصيدة تهتز لها ذائقة الجمال من ألفِ عام، في كتاب مرّت حروفه من تحت ناظري ملايين الناس...ألخ هو البقاء الخرافي، إذن، يمانع العدم ويمنعه ويجعل معنى الموت نسبياً. هكذاهو محي الدين زنكنه.

 

 

    وداعا محيي الدين زه نكه نه ....................................... زهدي الداوودي

 

25-08

زهدي الداوودي

إن أسوأ ما يعانيه الإنسان في حياته، هو أن يقف الموت حاجزا بينه وبين صديقه الذي تجمعهما ذكريات الصبا والمراهقة. الموت هو الشيء الوحيد الذي يدق إسفين الفراق الحقيقي، حيث لا لقاء بعد سوى على أعتاب شاهد القبر الذي تتزاحم الذكريات والدموع على رصيفه. كان محي الدين حميد زنكنه أحد المؤسسين البارزين من جماعة كركوك، بيد أنه كان يحب العزلة ويبتعد عن مماحكاتهم التي يعتبرها صبيانية. كان يختفي برهة كي يظهر من جديد كما لو أنه جاء يقدم عربونا للوفاء والاخلاص. كنا من مشاة شوارع كركوك حيث نقطعها طولا وعرضا، بدءا من باب منزلهم المطل على شارع ألماس ووصولا إلى بوابة القلعة المشرفة على نهر خاصه صو. كان يتحدث قليلا ويستمع، بل ويقرأ كثيرا. كان يضع مسافة قصيرة بينه وبين أصدقائه. كنت أفهم هذا الجانب عنده وأعتبره عقدة الخجل. بيد أنني، أحسست فيما بعد، بأنني كنت خاطئا في اعتقادي. كان يفكر في أن يمنح الثقافة العراقية والكردية المكتوبة باللغة العربية شيئا جديدا وفعل، حيث تم له ما أراد بنجاح باهر. وهكذا تربع على عرش المسرح العراقي وقدم روايات وقصص جميلة يحركها أبطال يمتلكون إرادة قوية وصمود فريد في معترك الحياة. ويؤسفني أن جماعته أهملوه، ذلك أنهم انشغلوا بالشعر كما لو أن الشعر هو الشيء الوحيد الذي أنتجته جماعة كركوك. لم يتمكن جبروت البعث من فرض الانحناء عليه وشراء قلمه وخلق القطيعة بينه وبين أصدقائه. كنا نعثر على بعضنا بعضا رغم الجو السياسي المكفهر والبعد والرقابة. عرفت أنه تألم كثيرا حين علم بقراري بترك الوطن في ربيع العام 1967 . وحين التقينا في بغداد تعانقنا على أمل اللقاء القريب في وطن حر وديمقراطي. وإن أنسى لن أنسى موقفه وهو يمد لي يد المعونة التي كنت أحتاجها فعلا، حيث وضع في يدي مبلغ خمسة دنانير. وحين زارني في الموصل في العام 1977 حيث سهرنا ليلة كاملة، قال كمن يواصل الحديث الذي بدأناه قبل عشرة أعوام: "يبدو إننا لن نلتقي في وطن حر وديمقراطي" وقلت:"المهم أن نلتقي نحن وتحت أي ظل كان" وتباعدت أزمان ومحطات لقاءاتنا العفوية المتناثرة بين كركوك والموصل وبغداد والسليمانية وبرلين. كان محي الدين صديقا حميما يركض وراء الصديق الحقيقي ولا يعرف النفاق. زرته آخر مرة في بداية نيسان من هذا العام في منزله بالسليمانية التي لجأ إليها بسبب تدهور الأوضاع في مدينة بعقوبة ثم ذهبنا إلى زيارة صديق عمرنا محمد الملا كريم الراقد في فراش المرض بمنزله. كان يتألم لحاله ويزوره يوميا رغم مرضه هو، دون أن يدري بأن الموت يتربص به. بعد ذلك اصطحبنا علي زنكنه إلى منزله حيث سهرنا إلى وقت متأخر من الليل ونحن نستمتع بالصوت الشجي للفنان محمد كركوكي. واتفقنا أن تكون السهرة القادمة في منزل محي الدين ولكن بعد إشعار آخر. أجل، لقد وقف الموت بيننا وبين تحقيق أمنية محي الدين. وظلت تلك الأمسية هي الأخيرة التي قضيناها معا. لن ننساك يا محي. سنظل نذكرك. وستظل قائما بيننا. لك المجد ولأهلك وأصدقائك الصبر والسلوان.

 

 

    محيي الدين زنكنة... محيي الفكرة الفاعلة... .................... سلام كاظم فرج

 

 

25-08

سلام كاظم فرج

 

تعود علاقتي بالكاتب العراقي الكبير محيي الدين زنكنة إلى عام 1969.. كنت حينها طالبا في الصف الخامس في إعدادية المعقل في البصرة حين أقتنيت العدد الثالث من مجلة الثقافة الجديدة ومن بين موادها قصة قصيرة لزنكنة معنونة ب (سبب للموت.. سبب للحياة.) ثيمتها تدور حول معتقل سياسي يرفض البوح لجلاديه بأسرار رفاقه.. وفي العام ذاته أخرج محمد الوهيب مسرحية من تأليف زنكنة لاقت إقبالا لافتا من الجمهور البصري المثقف .. عنوانها السؤال.. وقد حظيت بقراءات نقدية على حدائق نقابة الفنانين.. وكان للمسرحي البصري بنيان صالح دور كبير في إدارة حوارات مثمرة حول أدب زنكنة ومسرحيته تلك.. في عام 1972 انتقلت للسكن في بعقوبة وهنالك التقيت بالكاتب الكبير وقد عرفني به السياسي والمناضل البعقوبي المعروف محمد الدفاعي.. حدثته حينها عن احتفاء الجمهور البصري به وعن قصته الأولى التي قرأتها من بين كتاباته.. فتحدث بتواضعه المعروف ودماثته عن ظروف كتابته لتلك الأقصوصة وكان يتحدث عنها حديثه عن شخص عزيز.. رغم انه قد تجاوزها أسلوبا ومضمونا.. وأهدى لي نسخة من مسرحية صدرت له في ذلك الوقت بعنوان الجراد.. قدمها لي وهو يبتسم.. ربما ستمنع من التداول فحاول الاحتفاظ بها... مسرحية الجراد قدم لها الكاتب الكبير بجملة لافتة (أحداث المسرحية تدور في بورتريكو!!).. ومن يقرأ المسرحية وقد كتبت عام 1970 سيكتشف تحقق إرهاصاتها بعد أعوام قليلة.. فمضمونها يدور حول إجبار الناس على الانتماء إلى حزب السلطة بشتى السبل.. وأكثرها عنفا وخسة.. وتتكرر جملة كن جرادة.. كن جرادة.. كثيرا في مسرحيته تلك.. جمعتني به أمسيات عديدة في ضيافة محمد الدفاعي المعروف بكرمه وثقافته وشجاعته.. كنا نلتقي على ضفاف نهر ديالى في قرية الهويدر في بستان الدفاعي العامر بأنواع الفواكه.. ولم تبخل أم قاسم زوج الدفاعي بتحضير وجبات العشاء الفاخرة للضيوف.. اتذكر إضافة إلى زنكنة.. سامي محمد الناقد السينمائي المعروف.. والشاعر خليل المعاضيدي.. وناجي الراوي المهندس والأديب ومن اقرب أصدقاء زنكنة ..إضافة إلى مثقفين وسياسيين كثر ينتمون لليسار على العموم...وكانت الامسية قد تضم أكثر من عشرين ضيفا وتمتد أحياناالى الفجر.. تتخللها قراءات شعرية ونقدية وحوارات سياسية ساخنة.... ونكات تتناثر هنا وهناك وضحكات رغم علم الجميع أن ثمة ريح صفراء تنتظر اليسار واليساريين والمثقفين أجمعين!!!.. كان محيي الدين زنكنة محسوبا على الشيوعيين رغم انه لم ينتم رسميا أو هذا ما عرفته عنه على الأرجح.. وحين بدأت الحملة الشرسة على اليساريين في نهايات عام 1978.. انقطع زنكنة عن ارتياد نادي المعلمين الذي كان يحفل بالحوارات الأدبية والتجمعات الفكرية.. وكان حين يلتقي بنا في الشارع أنا والشاعر خليل المعاضيدي.. وسعيد شفتاوي (الفتى المرح والمناضل المعروف).. و قاسم محمد الدفاعي (الذي توفي شابا فيما بعد). يحاول أن يختصر اللقاء بسرعة حذر عيون العسس السريين.. لكنه يمازح سعيدا قائلا... شلون بيكم سعيد؟؟ هل ستصمدون؟؟؟ فيجيبه سعيد... نحن رجال.. وسنريهم!!!.. فيبتسم ابتسامة حزينة ويغادرنا مسرعا... فيما يطلق خليل المعاضيدي زفرة حارة.. في تلك الأيام صدرت له رواية رائعة بعنوان ئاسوس..تتحدث عن الهجرة.. والقسر الاجتماعي. والحنين إلى مسقط الرأس..ومرابع الطفولة.. وفيها نفس إنساني شفيف.. في عام 1980 أطعمت النار مكتبتي العامرة ومن ضمن ما التهمته النيران مسرحية الجراد التي تحققت نبوءتها ورواية ئاسوس.. منذ عام 1980 وحتى عام 1996 لم التق زنكنة وبقيت صورته في ذاكرتي مؤطرة بكل ماهو وسيم ونبيل.. كنت قد رجعت حينها إلى مسقط راسي البصرة.. تاركا المعاضيدي خليل وسعيد وناجي الراوي وقاسم الدفاعي ووالده محمد.. والكاتب الكبير محيي الدين زنكنة للمجهول.... في البصرة وصلتني اخبار تغييب الشاعر المعاضيدي.. وموت محمد الدفاعي المفاجئ.. ثم وفاة زوجه الجليلة أم قاسم .. وموت قاسم الغامض... وأسر سعيد شفتاوي.. وإعدام قيس الرحبي..ودهش علوان .. ومصطفى الديو.. وجاسم كسارة... وهم من أقرب أصدقاء الدفاعي ومحيي..فتخيلت أي سواد سيظلل تلك الروح الرقيقة... لكن حرب الخليج الأولى أخذتنا مراكبها بعيدا... وغطت همومها على الهموم القديمة فنسيت محيي الدين زنكنة.. بل نسيت الأدب والثقافة عموما!!!! في عام 1996 كان الحصار قد أتى على كل مدخراتي ولأنني لا أجيد مهنة سوى القراءة !!!.. عضني الجوع بأنيابه.. وعض أولادي..حتى أوشكت على الاستسلام للتلف وانتظار الموت جوعا!!.. أتصل بي صديق صدوق وأخبرني إن في بغداد مكتبا للنقل الخاص يملكه صديقان عزيزان من أصدقاء السبعينات يمكنني الاتصال بهما لتوفير وظيفة لائقة وأعطاني عنوان المكتب.. مكتب السلام للنقل.. في شارع فلسطين.. لأكتشف إن الصديقين من اعز أصدقاء تلك المرحلة ومن أهالي الهويدر الكرام قرية محمد الدفاعي التي طالما ضمتنا بساتينها الوارفة.. وهما الصديق الجليل صادق عباس الدر.. والصديق الجليل خالد عبد الرزاق (ابو وليد). وقد رحبا بي بحرارة ووفرا لي سكنا لائقا ووظيفة محترمة.. وحدثاني بكل ما جرى لبعقوبة والهويدر. وتأكدت من اغتيال المعاضيدي والأسماء التي ذكرت... كنت أنام في المكتب ليلا..وفي الصباح أمارس عملي محاسبا... الا إن المفاجأة التي لم تخطر على بال.. هي زيارة الكاتب الكبير محيي الدين زنكنة للمكتب.. لقد عانقته بحرارة.. وكم حزنت لأنه احتاج وقتا لكي يتذكرني..وحين تذكر نهض ثانية وعانقني بود هامسا.. لقد تعبنا بحق!!!..ولم أضيع فرصة فبادرته بالسؤال عن أعز أصدقائه المهندس الأديب ناجي الراوي.. فقطب حاجبيه وأجاب بهدوء.. لست أدري.. ربما أغرقته الروجة..(الموج ).. مازال حذرا.. وتبدو آثار الحصار واضحة على صحته وأناقته.. لقد كان مثالا للأناقة في السبعينات.. عرفت انه يزور بغداد بصحبة الصديقين خالد وصادق كثيرا لمتابعة سفر نجله ازاد واستقراره في المهجر والذي كان يعاني كثيرا في توفير مستقر له فيما يبدو.. في إحدى زياراته قرأنا معا في الصحف خبر وفاة عبد الوهاب البياتي الشاعر الكبير فقال بنبرة حزينة... أمر اعتيادي لقد كنت مع عبد الوهاب قبل شهر وكان مريضا جدا..ثم عقب بغموض لم أشأ احراجه في طلب توضيح...(لكنهم سيفرحون!!!!..)... كان الأستاذ زنكنة يمر في تلك الأيام بظروف اقتصادية عصيبة جدا....ومن الطريف إن اتحاد طلبة البحرين قد أستأذنه في تقديم أحدى مسرحياته مقابل مائتي دولار فقط (.. فقلت له مستغربا .. مائتي دولار ومن البحرين البلد النفطي؟؟).. فأجاب.. هم فرقة شابة وإمكانياتهم محدودة.. ولكن على الله.. عسى أن تصل النقود.. بس لايسكر بهن الملعون..!! (يقصد احد اصدقاء الكاتب الذي أرسلت عن طريقه النقود!!). ونشر له اتحاد الأدباء والكتاب في العراق في عام 1998 رواية رؤيا الملك.. وكانت مكافأته مائة دولار فقط عن حقوق النشر.. وبضع نسخ أهدى لي نسخة منها كتب على صفحتها الأولى.. سلام كاظم.. صداقة متجذرة.. وتذكرت الجراد التي التهمتها النيران وئاسوس ومجلة الثقافة الجديدة... وصادف إن اصدر جواد الحطاب جريدة أسبوعية رصينة باسم الزمن..تضمنت مسرحية لمحيي الدين زنكنة عنونها الطاولة المستطيلة وكان الإهداء إلى (صباح الانباري الذي أبى الا أن يحترق بنار المسرح.).. كان المخرج والناقد المسرحي صباح الانباري من اقرب الناس إلى قلب الكاتب الكبير.. لكن المجلة أغلقت بعد أسابيع قليلة..... وكان تعليق زنكنة على ذلك.. (عرفناها من الأول!!).. نعم سيدي.. أبا آزاد.. عرفناها من الأول.. هذا بلد.. لايكرم مبدعيه الا بعد موتهم.. وربما بعد أعوام من موتهم..

 

 

    بصمات لا تنسى في المسرح العراقي ............................. علي عبد الامير

 

الاربعاء, 25 أغسطس 2010

علي عبدالأمير ريادة في الكتابة المسرحية عراقياً وعربياً توفي السبت الماضي، في مدينة السليمانية، الروائي والكاتب المسرحي الكردي العراقي محيي الدين زنكنة، إثر نوبة قلبية حادة ألمت به، ووضعت حداً لسيرة من المجالدة والصبر والألم بدأت منذ مقاربته الكتابة في سن مبكرة في مدينته كركوك حيث ولد عام 1940، واغتنت بعد نيله الشهادة الجامعية في آداب اللغة العربية من كلية الآداب بجامعة بغداد عام 1962، وقبلها كان عرف اولى تجاربه السياسية والاعتقال مما حفر فيه منحى فكرياً انتصر فيه عبر عدد من النصوص المسرحية والروائية للانسان ومصيره الفجائعي في رحلة البحث عن الحرية، فـ « المؤلف الكردي الأصل ينحاز في أعماله الى قيم الدفاع عن الحرية ومحاربة الظلم والطغيان والاستغلال وقيم الزيف والضلال ومنوهاً بدور المثقف في المجتمع، ضمن معطيات فنية لم يضح بها لمصلحة نواياه الإيجابية» كما يلفت الى ذلك الباحث والناقد المسرحي صباح الانباري في كتابه عن صاحب مسرحية «السؤال». وإذا كان محيي الدين زنكنة كتب نصاً ينعى فيه القاص والروائي والكاتب المسرحي وابن مدينته جليل القيسي (احد اسماء «جماعة كركوك» التي شكلت ملمحاً على حدة في الحداثة الادبية العراقية)، قال فيه: «بقلب يفطره الاسى، وبعيون تنز دما، وبروح يفتتها الوجع، انعى الى مبدعي العراق ومبدعي العالم في كل مكان، المبدع الالمعي سيد القصة والمسرح في العراق (جليل القيسي)، لقد غدر به الموت – الغادر دائماً»، فإنه كان ينعى «إنساناً نادر المثال لا يجود الدهر الشحيح بأمثاله إلا بعد أحقاب وأحقاب وبعد مخاضات عسيرة وأليمة» مثلما كان هو في سيرته الشخصية التي نأت عن تملق اي سلطة أو حكم، حتى وان كانت اعماله قاربت تيارات فكرية وسياسية تحريضية بعضها وصل السلطة كردياً وعربياً، او في تجربته الابداعية التي من النادر ان تتكرر في ملامحها العراقية وحتى العربية انطلاقاً من نصوصه التي قدمت في غير مسرح عربي ، كما في عروض امتدت الى تونس، مصر،المغرب، لبنان، سورية ودول الخليج. وحظيت تلك العروض بنجاحات عدة بدءاً من مسرحية «السر» عام 1968، التي قاربت «الحس التحريضي والتغييري» الذي كان يمسك بالعالم كله حينذاك، ثم مسرحيته «الجراد» عام 1970 برمزها في «قدوم الجراد السلطوي المستبد القامع» ، وصولاً الى النص المسرحي الأكثر شهرة، واستلهم فيها حكاية «صفوان والخياط اليهودي» من حكايات «الف ليلة وليلة» ليسقطها على مظاهر الجور السياسي، وكشف الممارسات الاضطهادية والتعسفية وعبرها يعالج القضية الفلسطينية عبر ما تعرضت اليه من قهر والاغتصاب والسلب. وكانت مسرحية زنكنه هذه، رائدة لجهة تيار استلهام التراث او الموروث الشعبي في صياغة نصوص ادبية ومسرحية معاصرة. وعلى منوال الانغماس بقضية الحرية وتجلياتها جاءت مسرحية «الإجازة»، فيما كتب مسرحية «في الخمس الخامس من القرن العشرين يحدث هذا» في وقت شديد الاضطراب في العراق ففي عام 1979 الذي كتب فيه محي الدين زنكنه، مسرحيته كان الوضع السياسي في العراق يمضي نحو تسمية صدام حسين ديكتاتوراً لا منازع له. لاحقاً كتب مسرحية «اليمامة» 1980 و مسرحية «مساء السعادة ايها الزنوج البيض» 1981 التي عنت بالاضطهاد العرقي في سجال حول مفاهيم الحرية واثبات الحضور الانساني، بينما حمل عام 1982 مسرحية « العلبة الحجرية» التي اعتبرها النقاد من اهم الاعمال المسرحية التجريبة للمؤلف الراحل وفتحها مبكراً ملف المنفى ورحيل ابناء الوطن مكرهين. وكان عقد الثمانينات على الرغم من ايقاعه الثقيل على العراق لجهة دموية حربه مع ايران، وحروبه الصغيرة على مواطنيه، تميز بكثافة انتاج زنكنه الذي كتب مسرحية «لمن الزهور» عام 1983 التي اخرجها عزيز خيون، ومسرحية «صراخ الصمت الأخرس» التي أخرجها الراحل عوني كرومي عام 1984، ومسرحية «حكاية صديقين» 1986 ومسرحية «الأشواك» التي فتحت ملف الاسئلة التي يواجهها المثقف وحيرته احياناً في التزام الصمت حيال اجوبتها، وفي العام ذاته كتب مسرحية «الحارس» وفي عام 1990 صدرت له مختارات من مسرحياته ضمت مسرحية « القطط» ، «موت فنان»، «رؤيا الملك» و «أردية الموت». فضلاً عن إرثه المسرحي الزاخر فللراحل محي الدين زكنه عمل لافت في الرواية والقصة القصيرة، فثمة رواية «ئاسوس» التي ترسم ملامح كردي عراقي هُجر عن ارضه ومسكنه ووطنه إلى بقعة لا يجيد فيها الحياة، فيما كان رمز الاسم (ئاسوس) دالا بقوة فهو طير يموت عندما يفتقد بيئته، وتذكر للكاتب هنا عربيته في الكتابة، على رغم جو روايته الكردي، وهو ما بات دالاً على نص محي الدين زنكنة في المسرح، فهو لا يكتب مسرحياته بالدارجة كما اعتاد كتاب مسرح كثيرون، وعربيته الفصيحة الجميلة ظلت تلازمه من خلال تجربته استاذاً لها في مدارس غير مدينة عراقية. التزام محيي الدين زنكنة بقيم العدل والخير والجمال موقفاً فكرياً ونتاجاً ادبياً، تحول أثماناً باهظة فسجن مرات ولوحق اكثر، وعاش عقد الحصار في تسعينات القرن الماضي في مدينة ديالى منعزلاً نائياً بنفسه عن اغراءات السلطة التي كانت اشارت اليه بقدرتها على علاج عينيه وانقاذه من العمى ان هو كتب متوسلاً للرئيس، وهو ما لم يحدث من صاحب نص ظل مأخوذاً بالحرية الى آخر المدى.

 

    36 عاماً مع محيي الدين زه نكه نه ..................................... عدنان منشد

 

25-08

في العام 1974 انتسبت الى فرقة مسرح اليوم الكائنة في شارع السعدون عمارة اخوان كعضو مشارك في هذه الفرقة الليبرالية التي تتخذ من اليسار التقدمي العراقي مسارا معلنا في توجهاتها واختيار اعمالها، شان الفرق التقدمية الاهلية الاخرى، كالشعبي والفن الحديث ومسرح الصداقة .
صعدت سلم العمارة ذي الدرجات الثلاث والثلاثين، درجتين درجتين كأي شاب في سن الثالثة والعشرين او كاي دعلج صحراوي يتنقل بين اكمة واخرى، متسابقا مع زميلي الاعلامي الراحل المعروف حسين الحسيني الذي يحاول جاهدا وبحقيبته الثقيلة ان يشاطرني هذا السباق من دون جدوى !
في الطابق الثالث من عمارة اخوان، لم احظ بالبروفات النهائية لمسرحية (السؤال) لمحيي الدين زنكنه وباخراج الفنان الراحل جعفر علي، بل وجدت جموع من الممثلين يخرجون من باب الفرقة الضيق يقودهم المؤلف والمخرج معا، فوقعت عيونهم جميعا علي، وكانت هذه العيون اشبه بكاميرات التلفزة الفضائية حينما توجه عدساتها ازاء دعلج بشري من امثالي، فارتبكت، ارتبكت حقا ــ ولكن الفنان علي فوزي المسؤول الاداري لفرقة مسرح اليوم (اطال الله في عمره) بادر الى تعريفي الى المؤلف الكبير، قائلا :
ـ منتسب الفرقة الجديد عدنان ..
صافحني بحرارة، قائلا :
- الله، الله، في حسن اختياركم للشباب
ــ واضاف المسؤول الاداري :
ــ انه ايضا من فتيان منظمة الشبيبية الديمقراطية في العراق، فصاح محيي، وبلهجة ممتزجة بين المصرية والعراقية والكردية وشيوعي كمان !.. الله يستر !!
هنا وصل الراحل حسين الحسيني بحقيبته الثقيلة، لاهثا يداري تصبب عرقه، قائلا :
ــ ومحرر متدرب في (طريق الشعب) الله يستر !
فردد الجميع، وبشكل تمثيلي كوميدي: الله يستر!.. الله يستر!.. الله يستر !..
قادني الموقف المذكور في معرفتي الاولى بالاستاذ محيي الدين زنكنه، ان تتوثق علاقتي به بشكل فاعل وملموس، في اروقة (طريق الشعب) وفي ادارة فرقة مسرح اليوم، وفي حدائق اتحاد الادباء او صالته الشتوية، بعد النجاح الساحق الذي توافرت عليه مسرحية (السؤال ) جماهيرا وشعبيا ونقديا عند عرضها في مسرح بغداد فعشنا ليال طوال نردد اصداء هذا النجاح، وكان يتكفل في كل مرة بايصالي الى مدينة (الشعب) شمالي بغداد بسيارته (النصر) الخضراء وصولا الى مدينة سكنه (بعقوبة) وكان جل  حديثنا يتعلق بروائع المسرح العالمي باقلام ابسن وسترندرغ وتشيخوف ووليامز وميللر والبي وبيكيت ويونسكو، فكان يردد، اشبه بغمغمة ملتاعة لو توافرت الفرصة لي كما توافرت لهم لصنعت العجب ياصاح.. وقد كان زمن هذه الاحاديث في مطلع الربع الاخير من القرن العشرين ..
عام 2000 في مهرجان المسرح الاردني الحادي عشر، التقينا من جديد في العاصمة عمان، بعد اكثر من عقدين زمنيين من عدم اللقاء بيني وبينه.. وكانت المناسبة عرض مسرحيته (العلبة الحجرية) باخراج فتحي زين العابدين على المسرح الاردني الملكي وكانت القاعة قد امتلات وفاضت بالجمهور بشكل غير معتاد عن  الايام السابقة.. وحين تحريت الامر شخصيا.. وجدت ان اغلب المشاهدين، هم من المعارضة العراقية القاطنة في الاردن، وجلهم من الشيوعيين وانصار اياد علاوي (الوفاق) وانصار احمد الجلبي (المؤتمر) مع بعض الاسماء الادبية والفنية التي اتخذت من عمان هجرة ومنفى في ذلك الوقت، امثال هدية حسين وعبدالستار ناصر وحسن الشكرجي وخضير ميري وهنادي محمد وعباس الحربي وسهيل البياتي واخرين.. وكان معنا ايضا في هذا العرض يوسف العاني وفاضل خليل وعزيز خيون والفنانان المصريان شويكار واحمد بدير القادمون توا من مهرجان قرطاج ومن مصر على سبيل الدعوة والتكريم كانت الاثارة غير المتوقعة، حينما يترنم الممثل (كريم محسن) بطل (العلبة الحجرية) قائلا :
ــ ها انا جئتكم من العراق، تذكروا هذا الوطن ــ فمن لي في ديار الغربة غير شجني بالعراق.. آه ياعراق !
هنا تعالى التصفيق وزغردت الهلاهل لدقائق طويلة، واستمر  العرض، فاضطر الممثلون ان يقفوا الـ (STOP/ كادر) كما يقف الممثلون المصريون في اعمالهم الكوميدية الغريبة عن المسرح العراقي، الموروثة عن مسرح (البوليفار) الفرنسي في الحركة والايماء والاسترسال التي لا يحبذها المسرح العراقي بالمرة.. ولكنها فطنة ما بعدها فطنة للممثل العراقي ازاء حالة الجمهور غير المتوقعة.. في الطريق الى فندق القدس الانيق، جلست الى جنب محيي في الحافلة الطويلة، وحولنا من الجانبين والامام والمؤخرة عزيز وفاضل والعاني وهنادي، والبعض من شباب (المؤتمر والوفاق) فرحين مستبشرين بكاتبنا الكبير الذي لا يدانيه كاتب اخر في هذا الوطن اما قصة مطالعتنا للرزمة الكبيرة من جريدة (الزمان) التي جلبها صديقنا المغترب عباس الازرقي لفاضل خليل، فلها قصة اخرى داخل صالة فندق (القدس) الفارهة، حينما شرع الوفد العراقي باكمله بالتقاط الملحق الثقافي الاثير لهذه الجريدة (من الالف الى الياء) ليقرأ من خلاله جديد الثقافة العراقية في المهجر من دون انتباه لأعين الرقباء داخل هذا الوفد.. ولحسن الحظ، وردتني همسة من اصغر اعضاء الوفد سنا وقامة، لينبئني بان رئيس الوفد يراقبكم حول ما تقرأون عن بعد فشكرته هامسا، والتفت الى فاضل خليل الذي كان يجالسني على اليمين لاشرح له فداحة الموقف فابتسم فاضل قائلا :
ــ لا تبتأس ! لي موقف مع هذا الجرذ حالما نصل  بغداد فاطمأنت الى رد استاذي وصديقي (ابو معمر) فورا ولكن الهمسات الاخرى التي نفذت في اذني من الراحل محيي الدين زنكنه الذي كان يجالسني على اليسار اوغرت في نفسي شجنا قديما :
ــ اما زلت يا صاح على نفس المبادئ؟
ــ ما زلت .
ــ ولكنك الان في عمان ؟
ــ كما جئت انت موفدا من العراق، وجئت انا ايضا مدعوا لهذا المهرجان .
فانفرجت اساريره بوجهي قائلا :
ــ طوبى !!
ثم ادار وجهه الى النافذة الزجاجية المخضلة بحبيبات المطر، ولم ينبس بشيء ..
في العام 2001 شتاء، اقترح علي الفنان الراحل عادل كوركيس رئيس فرقة مسرح اليوم، ان اكون في صحبته مع فنان الاخراج السينمائي الاستاذ خالد الوائلي، العضو الاخر في ذات الفرقة لتصوير كاتبنا الكبير وعضو فرقتنا المتميز الاستاذ محيي الدين زنكنه في شريط فيلم وثائقي. وهكذا عزمنا السفر الى بعقوية نحن الثلاثة لملاقاة استاذنا وكاتبنا المثير في عقر داره فجلسنا في اجمل واروع فطور صباحي في بيته ثم تسللنا الى شوارع بعقوبة لنصور اعمق اللحظات طيبة واخطرها نفحة واستدراكا في حياة هذا الكاتب بين جماهير مدينته الثانية التي عاش فيها اكثر من ثلاثين عاما حافلة بالملاحقات والاعتقالات، من دون وجل او خوف، بعد ان فتح لها كتاب اسرار نفسه ..
الفيلم الوثائقي المذكور، ما زال بحوزة فرقة مسرح اليوم ــ العرين الاول لمحيي الدين زنكنه، وهو من ذخائر زميلنا الفنان خالد الوائلي، ولنا مسؤولية نشره اعلاميا، او بثه وثائقيا في مناسبة قادمة في احياء ذكرى رحيل محيي الدين زنكنه ..
وتواصلا مع الفيلم المذكور، اذكر انني كتبت مقالة بريئة حول ادب محيي الدين المسرحي في العراق والوطن العربي والعالم، اعتمادا على السيناريو الاعتباطي الذي حفظته في ذاكرتي حينما زرناه نحن الثلاثة المذكورين في (بعقوبة) وحينما نشرت هذه المقالة في احدى المجلات الخليجية، غضب علي غضبا شديدا، وعد هذا الفعل مني فبركة صحفية على حسابه الشخصي، في مرحلة من اخطر مراحله الابداعية والمعرفية مرحلة كان يكرس نفسه فيها لجائزة العويس فشطبني من دائرة علاقاته الاجتماعية، ولم يذكرني باي شيء امام الاصدقاء والمعارف، الا بالنسيان النسيان التام ..
بعد سقوط نظام صدام حسين في 9 / نيسان/ 2003 كنت اتسقط اخبار صديقي الكبير محيي الدين زنكنه من دون جدوى يبدو ان سر غياب الجائزة اللعينة المذكورة منه، يعزيها الى حماقتي البرئية، ولكن هذا الجفاء والصدود منه جعلني اعيد حساباتي واكشف اوراقي من اجل ان لا احيد مرة اخرى في نزق اعلامي مرير، او سبق صحفي لا يضر ولا ينفع ..
هكذا عشت تبكيت النفس حتى ربيع عام 2004 في حدائق جريدة (المدى) في ابي نؤاس حينما وجدته بصحبة احد من اصدقائه الكرد، يجالسان الاستاذ (فخري كريم) وقد بدا على الثلاثة الانشراح والمرح. فبادلتهم ذات الكرنفال مقبلا وحاضنا محيي لمرات عديدة، كان شيئا لم يكن بيننا بالمرة، ضاحكين مكرركين معا، حتى بلغ السيل الزبى لدى الاستاذ فخري، فصاح بصوته المجلجل :
ــ كفى، كفى الا ترى انك ترتكني بوجود اصدقائي؟ !!.
قلت:  ــ حقا يا (ابو نبيل) معذرة معذرة ايها الرفيق، ولكنه قال بعصبية :
ــ ماذا وراء ولكن؟ !!
قلت: ــ عرفت ان في الاستعلامات ثمة فضائية يوغسلافية تزمع اللقاء بكم حول كوبونات النفط ..
قال الاستاذ فخري بثقة.. دعهم ينتظرون حتى افرغ من لقائي بضيوفي الكرام ..
حدجني محيي الدين بغمزة عين وحدجني صديقه الاخر بابتسامة عريضة، بينما ظل الاستاذ فخري سادرا في جلسته لا يريم، كأنه يدعوني الى نهاية لقائي بمحيي بايعاز رفاقي صارم فامتثلت لهذا الامر، وصعدت الى جنتي الاولى في قسم المنوعات ومنذ ذلك الربيع كان حضوري معه، اشبه بالتواصل الاسبوعي الهامشي على صفحة (ستارة) على الرغم من العديد من مقالاته المستمرة في هذه الصفحة، وعلى الرغم من الكثرة الكاثرة التي كتبت عنه تنظيرا ونقدا وتاريخا .
ومع ذلك بل لاجل ذلك، اقول انني افتقدت هذا الراحل الحبيب طيلة ست سنين خلت ربما لظروف انتقاله الى السليمانية ولكنني لست بمستوعب بالمرة ان يموت في صباح  21 آب الجاري اثر نوبة قلبية حادة فهو لدي خلال 36 عاما رمز الاماني ولكن للاسف الشديد محيت هذه الاعوام في بضع ثواني .

 

 

 

    في رحيل المبدع محيي الدين زه نكه نه ................................ سمير خليل

 

25-08

سمير خليل

نجم آخر هوى، خفت اضواء الخشبة العريقة وانحنت حزنا واجلالا على راحل حمل على اكتافه صخرة المسرح العراقي يناجي سيزيف بحمله، فجعنا بخبر صاعق، غيب الموت مبدع كبير، رحل محيي الدين زنكنه، راهب تعمد بمحراب المسرح العراقي. فضاء الابداع الذي ما زال يفقد نجومه المتلألئة صار الوداع عنوان المسرح العراقي، وداع فرسان حملوا لواء الابداع عقودا طويلة وزينت صدورهم اوسمة الالق والتوهج. حلق ئاسوس صوب عالم اللاعودة وصار ذكرى جميلة، رقيقة تطرزها مسرحياته، ارثه الكبير ودموع المبدعين. فمنذ ولادته عام1940 في مدينة كركوك، كانت حياته مسرحية غنية فصولها ثرة، بدأت بمداعبة هاجس الكتابة باصابع غضة منذ ان بلغ الرابعة عشرة. اعلن عن وطنية خالصة حين افترش ارض المعتقل عام 1956 بعد مشاركته في تظاهرة طافت شوارع كركوك تأييدا للشعب المصري في معركة بور سعيد واستنكارا للعدوان الثلاثي على مصر.. ينحدر زنكنه من عائلة كردية تشربت بمناخات عموم الثقافات والاداب، وعرفت ايضا بسيرتها النضالية الاحتجاجية على سياسات الظلم والتعسف، كما هو حال النسيج الاعظم من العوائل العراقية.. لكن الراحل اعتنق اللغة العربية منهجا وموهبة حيث تخرج من قسم اللغة العربية في جامعة بغداد ليعين مدرسا للغة العربية، كتب جميع مسرحياته بلغة عربية قريبة الى النفوس بكافة مستوياتها وكان حريصا ان يوصل مسرحياته التي امتازت برصانة موضوعاتها الى قلوب المشاهدين من اقصر الطرق كما تجاوزت مسرحياته حدود الوطن وصارت ضيفة المسارح العربية ومهرجاناتها في القاهرة وتونس والمغرب ولبنان ودول الخليج العربي. ومنذ نشأته الاولى وامتهانه الكتابة التزم قضايا الانسان واعلن انتماءه للافكار النبيلة، تشربت نفسه التواقة للحرية والسلام بالافكار النيرة القريبة من هموم الناس البسطاء التي كانت الاساس للبنية الفكرية التقدمية التي لازمت اعماله، لذلك جاءت مسرحياته بمثابة سجلا حياتيا للعلاقات الاجتماعية معتمدا مدارس مختلفة منها المواقعية والرمزية الذي استطاع ان يطوعها ويسقطها على ثيمات مسرحياته بمهارة عالية.. لم يداهن السلطة متوجسا مقص الرقيب، لكنه انتمى وبقناعة لكل ما هو عراقي، كانت علاقته مثالية بفرقتي مسرح اليوم التي كان يرأسها الرائد الراحل جعفر علي والمسرح الشعبي برئاسة الرائد الراحل الاخر جعفر السعدي، انحياز الراحل زنكنه لهاتين الفرقتين العريقتين كان مبدأ ودفاع عنهما في وقت كانت ابواب الفرقة القومية التابعة للدولة وفرقة المسرح الفني الحديث مشرعة امامه لكنه وقف امامها بحذر. اتذكر حين قدمت فرقة مسرح اليوم مسرحيته السؤال عام 1975 وهي من المسرحيات المهمة في تاريخ المسرح العراقي التي تستلهم التراث برؤية معاصرة واخرجها الاستاذ جعفر علي وكيف تحول عرض المسرحية الى كرنفال تغنى بالوطنية، اتكأت مسرحياته على فكرة العمل والحرية والوجود، لجأ الى التراث والحكايات الشعبية القديمة بحثا عن نماذج انسانية معاصرة فتعامل مع الف ليلة وليلة والاغاني ومصادر تراثية عدة، التزم الانسان وتطلعاته وهمومه، اضفى انتماءه الكردي على شخصياته نوعا من كشف الظلم الذي تتعرض له الانسانية لذلك انحاز في اعماله الى قيم الدفاع عن الحرية ومحاربة الظلم والطغيان والاستغلال، مواضيع مسرحيات زنكنه تناولت قضايا اجتماعية وسياسية يمكن ان تتحرك في كل زمان ومكان.. امتاز زنكنه برصانة لغته المسرحية وهو واحد من جيل متميز من كتاب المسرح العراقي بجانب عادل كاظم وطه سالم ونور الدين فارس وجليل القيسي له اكثر من 22 عملا مسرحيا، قص شريط عالمه المسرحي عام 1968 بمسرحية السر التي تتحدث عن قدرة الانسان في مواجهة الصعاب، تبعها بمسرحية الجراد عام 1970 والتي شبهت استبداد السلطة بسرب من الجراد يحاول ان ياتي على حياة وحرية الانسان، ثم كتب مسرحية السؤال عام 1975 التي شكلت علامة فارقة في المسرح العراقي وفيها يتناول حكاية من الف ليلة وليلة ليسقطها على واقع معاصر، كتب هذه المسرحية بطريقة معاصرة تدل على وعي متقدم في استخدام التراث استخداما فنيا وجديدا وبعد السؤال كتب مسرحية الاجازة والتي تبنت فكرة الحرية، حرية الفرد وحرية العقيدة. في عام 1979 كتب مسرحية "في الخمس الخامس من القرن العشرين يحدث هذا" وهي تتحدث عن صعود قوى غير اجتماعية في مسيرة العراق الحديث، اما مسرحية اليمامة فقد نشرت في مجلة الموقف الادبي السورية وطبعت في سوريا عام 1980 وفي عام 1981 نشر مسرحية “مساء السعادة ايها الزنوج البيض” ولعل عنوان المسرحية يحمل سخرية زنكنه التي ينظر بها الى تركيبة القمع ومفهوم الحرية، عام 1982 كتب مسرحية “العلبة الحجرية” وهي من اهم المسرحيات التجريبية وعرضت من قبل الفرقة القومية على مسرح الرشيد واخرجها فتحي زين العابدين والتي اثارت جدلا واسعا وتتحدث عن الحياة عندما تصبح بديلا عن السجن والحياة والموت ولعله اطل بهذه المسرحية على هجرة الكرد خارج ارضهم.. اما مسرحية “لمن الزهور” فقد كتبها عام 1983 وفيها يرمز للزهور بانها الرغبة او الرغبة او الافكار، عام 1984 كتب مسرحية “صراخ الصمت الاخرس” والتي اخرجها الراحل عوني كرومي وفيها يتصدى للاحباطات السياسية والفكرية الكبيرة، ويكون الصمت طريقة لبلوغ اقصى انواع التحدي الفكري. عام 1986 يكتب مسرحية “حكاية صديقين” والتي تناولت تركيبة المشاعر الانسانية لصديقين يفترقان ثم يلتقيان، قدم مسرحية “الاشوك” والتي تتحدث عن المشكلات التي تواجه المثقف في حياته وفي نفس العام يكتب مسرحية “الحارس” وفيها يكشف عن المسؤولية التي توكل للانسان تجاه الاخرين وذاته ثم "تخضر الجذور" عام1988 و"تكلم ياحجر" و "كاوة دلدار" عام 1989 و"العقاب" 1990 و"القطط "1994 و"اردية الموت" 1996 و" موت فنان "1998 و" ستافروب" 1999 و" شعر بلون الفجر" 2000 و"الخاتم" 2005 .. ولانه كان ينشد التنوع في مجالات الابداع فقد طرق ابواب الرواية والقصة القصيرة، اشهرها "ئاسوس" التي تتحدث عن انسان عراقي كردي هجر عن وطنه الى بقعة لا يجيد فيها الحياة، واختار ئاسوس الطير الذي يموت عندما يفقد طبيعته، وله مجموعتان قصصيتان لم تخرجا عن مواكبة الهم العراقي.. كرم زنكنه مرات عديدة كما حصلت مسرحياته على جوائز عديدة ففي القاهرة نال جائزة افضل كاتب مسرحي، وكرمت اعماله في قرطاج وبغداد، كما ترجمت معظم مسرحياته ورواياته الى اللغة الكردية.. رحل محيي الدين زنكنه تاركا هذا الارث الغزيز، تكريما له في ان نحفظ نتاجه ونفتح مسارحنا لاحتضان مسرحياته ووضعها مراجع لطلاب المسرح ودارسيه فمسرحيات محيي الدين زنكنه وارهاصاته الادبية جزء من هوية الابداع العراقي.

 

 

    رائحة البرتقال ............................................................صالح البدري



" الى روح الراحل الصديق / الكاتب المسرحي محيي الدين زنكنه "

 

حين وارَوْا جثتَك الطاهرة يا "محيى"
كانت رائحة ُ البرتقال تطوقُ المكانْ
ورائحة ُ النارنج والرمانْ
والهيلُ والزعتر والزعفرانْ !
وكنتَ أنتَ النبعُ الذي يُسقي المرؤة َ
والصفاءْ
قد كان فيك الجوري والأقحوانْ !
فنمْ قريرَ العين أيُها الفنان .
ياحلاوة َ الكلم والقلم
ياطهارة َ القلب والألم
جَرساً ( درامياً عراقياً ) كنتْ ؛
تدقُ عالياً في أسراب ( الجرادْ ) *
و تفضحُ ( سرَ ) هُمْ *.. بلا مهادنة ْ!
وتستقبلك المطاراتُ لتهديك الوردَ
وتفرشُ لك المسارحُ أبوابَها
وتهديكَ الناسُ أوجاعَها
والجوائزُ تتقافزُ بين يديك المبدعة .
ياربحاً حُروفياً كسبناهُ ،
وياقلماً فقدناهُ ،
وإنساناً عرفناهُ !!

*****
* الجراد : رواية للكاتب .
* السر : مسرحية للكاتب .

النرويج
25 آب

صالح البدري

 

    في وداع محيي الدين زه نكه نه .................................. د. فاضل التميمي

 

د. فاضل عبود التميمي

26/08/2010

برحيل الكاتب المسرحي،والقصصي،والروائي:(محيي الدين زنكنة 1940- 2010) يكون الأدب العراقي قد فقد علما مبرّزا من أعلام الكتابة السردية الحديثة،وكان قد عمل جاهدا منذ منتصف الخمسينات من القرن العشرين وحتى يوم وفاته في 21/8/2010 في مدينة السليمانية على إعلاء كلمة(الإنسان)،والذود عن وجوده حين قارع (الظلم)،و(القهر) بخطابه الأدبي الذي لا يعرف المهادنة،والنفاق. وُلد(محيي الدين زنكنة) في مدينة كركوك حي (شاطرلو) في العام 1940،وعاش طفولته،وشبابه في تلك المدينة الجميلة، ولمّا أنهى دراسته الإعدادية قُبل في قسم اللغة العربية كلية الآداب جامعة بغداد ليتخرج في 1962م،ويُعين في العام1964م مدرسا لّلغة العربية في محافظة ديالى، ومنذ ذلك التاريخ وحتى أواسط العام 2006 لم يغادر زنكنة مدينة بعقوبة, صار والمدينة هذه توأمين لا يفترقان،وعلامة دالة من معالم حياتها الثقافيّة. ظل(محيي الدين زنكنة) في سنواته(البعقوبيّة) وفيّا للكتابة،والكتاب لا يكاد يخرج من داره إلا لعمل مهم، كان شغله الأول الكتابة، ففي داره تلك الواقعة في الطرف الغربي من المدينة كان يسهر ليله قارئا،وكاتبا حتى قُيض له أن ينجز أكثر من خمس وأربعين مسرحية،وأربع روايات، فضلا عن ثلاث مجاميع قصصية،والعشرات من القصص القصيرة ،والمقالات المنشورة. كانت داره تلك أشبه بصومعة ناسك لا يمارس فيها إلا الكتابة،والقراءة ،والعناية بالكتب،فقد كان الرجل عاشقا وَلِها للكتاب،وكانت مكتبته عصيّة على الكثير من أصدقائه، وأدباء ديالى،كنت أزوره في صباح كل خميس لاسيّما في العامين (2004)و(2005) لأجد عنده الكثير من الجديد المفيد،من الكتب،والمجلات،وفي واحدة من تلك الزيارات عرضت عليه أن ازور المكتبة ،وأن أشرب الشاي فيها،كان ذلك طلبا مستحيلا فيما أحسب،لكنّ الاستحالة فيه تبدّدت في ابتسامة (زنكنة) الوادعة النقية. كانت المكتبة تشغل غرفة كاملة في الطبقة الثانية من البيت،فضلا عن ممرّ طويل فيها،وقد هالني ما فيها من المصادر،والمراجع التي تبحث في مختلف العلوم،والفنون ثم جلب انتباهي شيء آخر:(ملفات) داكنة اللون،كانت بمجملها تحتوي على عشرات القصص،والمسرحيات التي كان(زنكنة) قد انتهى من كتابتها لكنّها لم تأخذ دورها في النشر،ثمّ لفت انتباهي بين تلك الملفات دفتران متميزان قديمان تبين لي في لحظتها أنهما يضمان بواكير قصصه التي كتبها في سن الدراسة المتوسطة ،واذكر أنني وقفت عندهما مليّا دون أن أنبس ببنت شفة، لكن الرجل اللمّاح فهم غايتي فقد أعارني الدفترين، فوجدت فيهما قصصا تبوح بنضج شاب أراد أن يكون قاصّا، فكان أن حرّرت القصص،وصنعت لها مقدمة،وخاتمة،وقدمتها في العام (2006) الى دار سردم للنشر في السليمانية فظهرت الى الوجود في العام 2007 كتابا بعنوان(بواكير محيي الدين زنكنة القصصية). كان(محيي الدين زنكنة) في سنواته(البعقوبية) يعيش عزلة مبدعة لم تمنعه من الاختلاط بأدباء المحافظة،ومثقفيها،فقد كانت علاقاته الأدبية،والاجتماعية تمتد الى العشرات منهم،فضلا عن أنه كان عضوا في اتحاد أدباء المحافظة حتى خروجه منها الى السليمانية في العام 2006،لكنه - وهذا ما لا أستطيع نكرانه- كان محيرا للكثيرين ممن كانوا لا يفهمونه لاسيما أولئك الذين لم يقرؤا ما كتب،أو كانوا على مبعدة من أفكاره ،وتصوراته الأدبية، والإنسانية. وكانت جامعة ديالى قد كرمت محيي الدين زنكنة ثلاث مرات: الأولى: حينما أقرّت تدريس مسرحيته الشهيرة(رؤيا الملك) على طلبة المرحلة الرابعة،في قسم اللغة العربية كلية التربية في العام الدراسي الجامعي (1999- 2000) ، فقد عاش الطلبة عاما دراسيّا مع مادة جديدة تمور بين المسرح، والحياة، بين الماضي، والحاضر... ولم يكن من السهولة حثهم لقراءة المسرحيّة، وتقبلها؛ فقد تعودوا نمطا خاصّا من المناهج، والأفكار، وكان الأدب الحديث بكل نماذجه بعيدا عن قراءاتهم، وعناياتهم،لكنهم على الرغم من ذلك تفاعلوا مع المسرحية،ودرسها الجديد. الثانية :حين نظّمت له ندوة أدبية عنونها:(محيي الدين زنكنة أديبا) فحين شارفت السنة الدراسية(1999- 2000) على الانتهاء عقد القسم ندوة عن أدب محيي الدين زنكنة حضرها الطلبة، وجمع من أدباء محافظة (ديالى)،والكاتب نفسه ألقيت فيها الدراسات الآتية:

•1- مركزية الرؤية في رؤيا الملك للروائي سعد محمد رحيم.

•2- متغيرات معادلة الرؤيا في مسرحية رؤيا الملك للناقد المسرحي صباح الأنباري.

•3- رؤيا الملك دراسة تأويلية للدكتور وليد شاكر نعاس.

•4- شعرية الخطاب المسرحي: رؤيا الملك مثالا للدكتور فاضل التميمي.

ثم جاء دور الكاتب محيي الدين زنكنة الذي ألقى موجزا عن تجربته المسرحية، وآفاق تقبلها، ونقدها، ثم حاوره الطلبة في المسرحيّة، وفي قضايا أخرى تخص إبداعه الروائي، والمسرحي... وختمت الندوة بتسليم زنكنة شهادة جامعية توثّق الاحتفاء به و(رؤيا الملك). الثالثة:حين سجلت طالبة الماجستير خولة إبراهيم احمد رسالتها عن الصراع في مسرحياته،فكانت مناسبة لتكريم أديب سجل انتشارا عربيا وعالميا ،وقد أجيزت الرسالة فيما بعد لتكون مع عشرات الرسائل التي كُتبت عنه مصدرا من مصادر درس (محيي الدين زنكنة) التي يحتاجها الباحثون في دراسة تاريخ المسرح العراقي الحديث،وابرز مهيمناته الموضوعية . (محيي الدين زنكنة) بطبعه الإنساني البسيط لم يكن يعبأ بأي تكريم ،ذلك طبع جُبل عليه منذ نعومة أدبه، فقد كان مأخوذا بفكرة الإنسان الذي يعيش داخل إنسانيته المجردة من هوس السلطة في أي زمان ومكان،وكان كثيرا ما يعلن عن تواضع نتاجه الأدبي حين يهمّ أحد الأدباء في إجراء لقاء صحفي معه،وقد ظل(زنكنة) وفيّا لهذه الفكرة حتى اليوم الأخير من حياته ؛ ولهذا كانت اللقاءات الصحفية معه نادرة جدا ،وقد لا أبالغ حين أقول: انه يمقت الشهرة،وان كانت حقا للأديب المبدع قبل أن تكون لغيره!،وهو في موقفه هذا كان يحيّر حساده قبل أن يحير معجبيه . لقد كان (محيي الدين زنكنة) أديبا كبيرا،لم تشغله في حياته فكرة الحصول على منصب كبير،أو الوصول الى مركز إداري مؤثر، كان كلّ همه ينصبّ في الكتابة من اجل الإنسان،والوفاء لمبادئه التي ظل أمينا لها حتى نَفَسَه الأخير، وهي مبادئ لا تغادر إنسانية الإنسان.

 

 

 

    كلمة في غياب الأديب الكبير محي الدين زنكنة............. حكيم نديم الداوودي

 

26/08/2010

 

(الموت ليس إعداما نهائيا ، هو إنهاءٌ لأعباء مهمة الحياة ووظائفها ) سعيد النورسي

 

الموت غربة أبدية ونهائية، لا وصال أو لقاء آخر بعده . لا الإحبة ستجتمع في جلسات السمر ولا القلوب الحائرة ستنبض بنشوة الفرح ، في مجالس الأنس بعد إسدال ستارة الفراق على نافذة أمسيات مفجعيك. يا زنكنة الكبير تلقينا نبأ رحيلك المباغت كالصاعقة ، فقدناك بالتآسي والدموع ، وفجعت معنا كل الأوساط الثقافية والفنية والأدبية . كنت جسراً للمحبة في توصيل الثقافة الأبداعية ، وكنت الذاكرة الحية للوطنية المخلصة، وأصدق لسان في لتعبير عن معاناة إبن الجبل والهور. وكنت إبن الوند والثرثار كما كنت إبناً باراً لقنديل والوند والفرات دون تمايز وإختلاف بين مكونات أبناء وطنك... كنت الوجه المضيء، والقلم الناصع، في حب الأرض وفي الدفاع عن كرامة الإنسان العراقي. كان قلمك وأدبك خير منبر في تعرية السلطة الفاشية ، والأنظمة الإستبدادية الأخرى التي كانت تنتهك حقوق الانسان . يا محي الرائد، يا صاحب المبادئ العظيمة التي ناضلت من أجلها في بواكير عمرك ، يا من كرّست َحياتك الزاخرة بالعطاء، ومن خلال كتاباتك المسرحية الهادفة، ونقاء أعمالك الأدبية الملتزمة من أجل إعلاء راية الحرية، لرسم خارطة المحبة لذلك الوطن السعيد الذي سَيسعد فيه الإنسان المعذب . يا محيينا المتألق كنت دوماً شعلةً وهاجة في درب الثقافة التنويرية في مناهظة الأفكار الظلامية المستبدة التي تأبى لشعاع الحضارة والتمدن إنارة عقول الشعوب المقهورة . فستبقى أيها الراحل العزيز خالداً أبداً في الضمير الإنساني، ومفخرة لمدينتك كركوك، ولجماعة كركوك الأدبية الذهبية ، لقد ابّنك الكثير من أصحاب القامات السياسية والفكرية والأدبية. فجع بموتك أديبنا الكبير د. زهدي الداوودي ، وهومن أواخر جماعة كركوك المبدعة ، ونعاك كتّاب وأدباء آخرون - قيس قرداغي ، وياسين النصير، وعلي زنكنة، ود. كاوة محمود ، وقاسم مطرود ، ود.توفيق التونجي ، وعدنان منشد ، كتبوا لك عبارات تأبينهم الدامعة ولإبداعاتك المسرحية الجادة، المعّبرة عن حبك لأرضك ولأبناء وطنك. فنم قرير العين يا زنكنة ... لقد أديتَ رسالتك، وأخلصت لقضيتك، وأرحت َضميرك في صرختك المدوية أثناء شجبك لمذابح عمليات الأنفال وحلبجة، التي أقترفتْ بحق بني جلدتك. ستبقى في القلب علامةَ وفاء، ومفخرة للمشهد الثقافي العراقي، ولأسرتك النبيلة، ولجميع الأقلام النزيهة والكتّاب الملتزمين بالنهج الوطني. فخالص تعازينا ومواساتنا القلبية للأسرة الكريمة. ولجميع محبي إبداعك ، داعين المولى أن يتغمدك بواسع رحمته ، ويلهم ذويك جميل الصّبر والسلوان ، ولكَ أبداً الذّكر الطّيب . عَلّل فــــؤادكَ قد أبلَ علـيلُ وإغنم حياتكَ فالبقــاء قليلُ لوأنّ عُمرُكَ ألف عام كاملٍ ما كانَ حقاً أن يقــالَ طويلُ

حكيم نديم الداوودي

 

 

    رحيل محي الدين زنكنه ... بين الحلم و الواقع ...................... لقمان محمود

 

28-08

لقمان محمود

بدأت معرفتي الحقيقية بالمبدع محيي الدين زنكنه من خلال عملي معه في غرفة واحدة في مجلة “ سردم العربي “، حيث عرفته صديقاً حيناً، أخاً حيناً ، و أباً في جميع الأحيان. هذه اللقاءات اليومية، تحولت مع مرور الايام إلى لقاءات عائلية، إلى أن سافرت زوجتي إلى خارج الوطن للعلاج، فصرنا نلتقي في اليوم الواحد أكثر من مرة. مساءاً كنّا نلتقي في “ سهولكه “، ومنها ننطلق مشياً على الاقدام إلى أن نصل إلى الحديقة العامة. في احدى المرات لم نجد كرسياً شاغراً في الحديقة، فصرنا نبحث عن مكان نجلس فيه، وبينما نحن نبحث قال: البارحة انا ونوزاد أحمد أسود كنا جالسين على هذا الكرسي، فهو يعرف أنني في كل مساء آتي إلى هنا. **** كان الراحل شغوفاً بكتابة أنواع أدبية متعددة، إلا أن تجربته تمتد عميقة في المسرح. وبحسب النقاد فهو واحد من بين أفضل كتاب المسرح في العالمين العربي والكردي. ويكفي أن نشير في هذا الصدد إلى بعض هذه الكتب التي تناولت مسرحه: -البناء الدرامي في مسرح محيي الدين زنكنه، للناقد صباح الانباري.- -مسرح محيي الدين زنكنه : مسرحية الفصل الواحد أنموذجاً، للناقد غنام محمد خضر. -رؤيا الملك أو ماندانا وستافروب: دراسة اسلوبية، للناقد فاضل عبود التميمي. **** على مدى يزيد على خمسين عاماً قدّم زنكنه أكثر من خمسين كتاباً بين رواية ومسرحية وقصص قصيرة. عندما قرأت المجلد الاول للاعمال الروائية (مؤسسة حمدي للطباعة والنشر – السليمانية 2007 )، توقفت كثيراً عند رواية “ باوا .. كركر “ و “ ما قاله الفتى الكردستاني للعالم “. في المجلد الثاني للأعمال الروائية (مؤسسة سردم للطباعة والنشر – السليمانية 2008)، قرأت أكثر من مرة رواية “ ئاسوس” و “بحثا عن مدينة أخرى”. هذا بالاضافة إلى رواية “ ثمة خطأ ما .. في مكان ما”، والتي ستدخل بكل جدارة إلى خانة الروايات الخالدة. حيث لا يمكن أن نفصل هذه الرواية الانسانية عن ذاتية زنكنه وهمه الوطني والقومي والانساني. والمتتبع لهذه الرواية سيلمس بلا شك هذا الانفتاح على الواقع الانساني من خلال الجذور العميقة لفكر هذا المبدع. تجدر الاشارة إلى أن الراحل كان قد انتهى من كتابة هذه الملحمة ( 729 صفحة من القطع الكبير ) في ايلول 2009، وصدرت ضمن سلسلة مهرجان كلاويز الثالث عشر 2009 في السليمانية. **** كان محيي الدين زنكنه يمتلك أصدقاء في كل انحاء العالم، فكل يوم كان هناك شيء جديد، وكل يوم كان هناك مشروعاً جديداً، إلا أن الفترة الاخيرة كانت فترة قلق شديدة بسبب عيونه التي بدأت تتدهور مع مرور الساعات، لذلك كلما إلتقينا كان يقول: لا أريد أن أعيش في كنف العماء.. البارحة كنت في هولير، وطبيبي أكد أن معالجتي في الخارج فقط. قلتُ له بكل ألم: أفهمك أيها المبدع العظيم، لكن لا طمأنينة للقلق. في هذا الجو عاش زنكنه شبه أعمى، وشبه يائس. حيث عشت معه هذه اللحظات المصيرية التي كنت مهيئاً أصلا لها بسبب مرض زوجتي، فكان يكفيني نسمة حزينة كي أذرف الدموع. وعندما كان يجدني في هذه الحالة المزرية كان يتحايل عليّ، ويغير الموضوع مباشرة، كأن يقول زارتني البارحة الدكتورة سناء الشعلان من الاردن، وهي بصدد مشروع كتابي عن تجربتي الابداعية مع الصديق غنام محمد خضر... وكثيراً ما كانت تليفونات زوجتي تنقذنا من هذا الحزن المقيم في جرحنا. **** أتذكر اننا سهرنا معاً في نادي المهندسين قبل الرمضان بيومين ( 28 تموز ) إلى وقت متأخر من الليل. كان حديثنا يدور حول تجربة الحب في أعماله القصصية، علماً أنّ أغلب هذه الاعمال كانت تحارب منذ خمسين عاماً كل قوى الظلام والموت والظلم، لذلك قلتُ له مازحاً: الحقيقة دائماً وحشية، خاصة عندما تكشف عن طباعها المرعبة. قبل أن يجيبني جاء إلى طاولتنا الدكتور فوزي زنكنه، الذي أعتذر بلباقة عن مشاركتنا في هذه الجلسة لأن لديه ضيوف من السويد. ظلّ محيي الدين زنكنه ساهراً في ضوء قصصه الاولى، بأجنحته السماوية، وهو يكسر بصمت الملائكة أجراس الذكرى على صفحة الطاولة، وعلى صفحة الذاكرة...حيث لم يعرف طيلة حياته سوى حب الانسان، وحب الكتب.. حتى خيّل لي أنني اسمعه يقول: “مساء السلامة أيها الزنوج البيض”، أنا آتٍ من “الجبل والسهل” سأحكي لكم “ حكاية صديقين “ عاشا في “ أردية الموت” و رغم ذلك “ سيأتي أحدهم” ليفسر “ رؤيا الملك”. استيقظت من شرودي على هاتف زوجتي، الذي غيّر ملامحي، ولكنتي وحزني وفرحي وألمي...كان جليسي وصديقي واخي وأبي، محيي الدين زنكنه هو الآخر قد استيقظ من شروده، وطلب مني أن يحكي مع ابنته، كما كان يناديها دائماً. حتى هنا لا أعرف كيف أميّز بين الحلم و الواقع؟ طالما الموت نفسه يكاد أن يشك في رحيل محيي الدين زنكنه. 

 

 

    الذين لا يموتون ........................................................ د. سناء الشعلان

 

29-08

د.سناء الشعلان

عرفت الكاتب محيي الدين زنكنه شأني شأن الكثيرين غيري مبدعاً مسرحياً وروائياً وقصصيّاً ، له حضوره وبصمته في المشهد الإبداعي العربي والكردي، وعاينت تجربته القصصية بشكل خاص في دراسة لي عن البعد الفنتازيا رداءً للتثوير في تجربته القصصية، وكان الدكتور غنّام محمد خضر رائدي إلى عالمه عبر تعريفي به، وإهدائي أعماله القصصية، ودعوتي للمشاركة في كتاب نقدي مشترك بين مجموعة من النّقاد حول تجربته الإبداعية كاملة. وسمحت لي هذه التجربة النقدية أن أدخل إلى عوالم زنكنة القصصية حيث يقدّم المبدع فيها تجربة إبداعية مفتوحة على رصيد عملاق من التأويلات والانزياحات والرؤى التي تؤسس لطرح إشكالات فكرية تستفزّ مخيال المبدع والمتلقي، وتتمخّض عن رؤية قصصية تدين لمعطيات واقع زنكنه، ولتجربته الإنسانية الخاصة التي تنبثق من ذاته، لتصبح امتداداً لواقع الجماعة المعاش لعدد من عقود العذاب والحرمان والاستبداد. والدعوة إلى الثورة على كلّ قوى الظّلم والاستبداد والشّر والطغيان هي من أهم الثيمات الكبرى التي تنتظم وفقها تجربة زنكنه القصصية الذي يتدثّر بالسّرد الفنتازي بشقيّه الغرائبي والعجائبي من أجل الاضطلاع بعملية التنوير والتثوير بغية الكشف عن سقوط الظلم وتهاويه وزيفه في إزاء عدالة البحث عن واقع ينبض بالحرية والإخاء والعدل الذي يقدّم الصورة المنشودة للوجود البشري. وهو يصرّح في معرض حديثه عن ملابسات نشر قصته”اللات والعزّى”عن اتجاهه للدعوة إلى الثورة، ومجافاة الصّمت شأنه شأن الكثير من الكتاب العراقيين الذين لم يصمتوا على الرّغم من صرامة الظّروف التي حاصرتهم إبّان عدّة عقود في العراق، إذ يقول في تعليله لنشر قصته بعد حبسها زمناً طويلاً عن النّشر: ”فإنّني لا أفعل ذلك حبّاً في نشرها حسب، وإنّما أيضاً دليلاً ووثيقة على أنّ الأقلام العراقية، وبالرّغم من القسوة التي أحاطت بكلّ شيء لم تركن إلى السّكون، ولم تختبىء في الجيوب”. وبقيتْ نفسي تلحّ عليّ بأن ألتقي بهذا المبدع الجميل الذي عرفته كلمة قبل أن أعرفه إنساناً، وكرُم القدر علي، وتيسّر لي أن ألتقي محيي الدين زنكنة في بيته في السليمانية قبل أقل من شهر من وفاته، وذلك بصحبة الدكتور غنام محمد خضر الذي كانت تربطه علاقة صداقة بمحيي الدين زنكنة. وكان اللقاء الجميل مع هذا المبدع الأجمل الذي أسرني منذ اللحظة الأولى بطيبته وإنسانيته وكرمه وجمال استقباله وحلاوة معشره وتواضع نفسه، خرج لاستقبالنا في الشارع الممتد أمام بيته، وكان مرشدنا الأمين إلى داخل البيت، وهو يعطينا الإرشادات لتخطّي الحفريات التي أمام بيته التي هدمت بوابة البيت الرئيسية، وجعلت لزاماً علينا أن ندخل من الباب الخلفي لبيته حيث تحتلّ مكتبته وخلوته الإبداعية الطابق السفلي من بيته، هناك طالعتنا كتبه والمذياع الخاص به، ومكتبه، وأوراقه، ومقعده حيث يجلس للكتابة، كلّ مافي المكان كان بتفاصيل بصمته، وبروح إبداعه، كان من الجميل أن أدخل بيت محيي الدين زنكنة من مكتبته حيث عرفته ابتداء، سمح لنا أن نلتقط الصور معه، وكما سمح لنا أن نلقي نظرة فاحصة على محتويات مكتبته، فضلاً على الحصول على ما نشاء منها من مؤلفاته التي رزمها لنا بكلّ نفس محبّة مفطورة على العطاء ليعرّفنا على المزيد من إبداعه. في بيته رأيت الإنسان فيه، كان أباً حانياً، وزوجاً رقيقاً حانياً ترى في وجه زوجته رفيقة عمره تفاصيل مودة ورفقة طويلة عمرها عقود من الثقة والمحبة والتشارك، سألنا وسألناه، وأجابنا وأجبناه، صمّم على أن نتناول معه طعام العشاء، ولمّا كنا في عصمة التزام قاهر فقد كان لنا اعتذرنا له عن قبول دعوته على أن يكون لنا لقاء في القريب، ولكن الموت كان أسرع إلينا من موعد اللقاء معه على العشاء!! أدهشني هذا المبدع بالكمّ الهائل الذي يملكه من التّواضع ومن محبّة التفاصيل، وأولئك الذين يملكون التواضع ومحبة التفاصيل هم القلة من الذين يعرفون كيف ينسجون الحياة من تفاصيل الجمال. كان سعيداً بالكتاب النّقدي الذي في طور النشر عن تجربته الإبداعية بشراكة مجموعة من الأكاديميين والنقاد، وسألنا عن تفاصيله، وطلب نسخة إلكترونية منه كي يدقّقها لغوياً وطباعياً، وحدثنا عن مشاريعه المستقبلية لاسيما فيما يخصّ إعادة نشر بعض أعماله خارج العراق. وكان الوداع الأخير لهذا المبدع الكبير الذي ما تحمّل قلبه الكبير أزمة حادة ومفاجئة، فاستسلم للموت، ولكنه تعاظم على النسيان والاندثار، فهو خالد بإبداعه الذي ملأ الدّنيا بكلمة (لا) التي قالها لكلّ ظلم واستبداد.

 

 

    رحيل كبير المسرحيين العراقيين والعرب............................. ناظم السعود

 

 

هطل عليّ الخبر كبرق ناري مارق على محبسي الريفي : مات محي الدين زنكنة في زنزانته الشمالية ، ولمن لا يعرف أقول ان الذي ارثيه اليوم هو كبير كتاب المسرح في العراق والوطن العربي واحد نجوم السرد القصصي والروائي طوال اكثر من أربعين سنة ويزيد .. محي الدين زنكنة رحل في الأسبوع الماضي ( تحديدا يوم السبت 21 من آب الجاري ) تاركا خلفه سبعين عاما تجرها عربة مكتظة بالكتب والإصدارات . والمسارح والجوائز وإيقونات السرد وفوق ذلك ، بل ويسبق ذلك ، صيته الذائع كواحد من الزهاد الكبار الذين عرفهم الأدب العربي واللغة الكردية على حد سواء . عرف عن الراحل الكبير توزّعه ( والاصح تمزّقه ) الجغرافي فهو قد ولد في كركوك ( عام 1940 ) ثم تحول لأسباب مجهولة الى مدينة ديالى ليساكنها لأكثر من ثلاثين عاما ثم يمم وجهه صوب الشمال الكردستاني بعد أحداث 2003 ( الذي يصفها البعض تحريرا والبعض الآخر يصفها احتلالا ولكنني أجد التوصيفين مثل وجهين لخيبة واحدة ! ) ليستقر في السليمانية حتى رحيله ، كما ان التمزق الجغرافي رافقه تنوع لغوي وثقافي واجتماعي فهو مولود لأسرة كردية ولكن اغلب كتاباته جاءت باللغة العربية وهذا ان منحه فيضا إبداعيا ثريا لكنه جاهر ، في الان نفسه ، بواحدة من الثيم العصيبة التي عالجها في مسرحياته وروايته واعي بذلك ثيمة (هجرة او تهجير الأكراد خارج أرضهم ) وكانت تضغط عليه فكريا واجتماعيا وفنيا حتى انه عبر عنها كأوضح ما يكون في روايته المعروفة ( ئاسوس)وهي تتحدث عن إنسان عراقي كردي هُجر عن أرضه ومسكنه ووطنه إلى بقعة لا يجيد فيها الحياة، ومن خلال رمزية اسم الطير ئاسوس الذي يموت عندما يفقد طبيعته نلمح المأزق الذي وشمه فعل التهجير على فكر وحياة الكاتب الاستثنائي والإنسان المبتلى بالوعي . اذكر الان موقفين نادرين لمستهما شخصيا من زنكنة وزادهما رحيله القريب توهجا في الذاكرة والوجدان : الأول حين كنا نقيم مهرجان ( بيض الوجوه) بمبادرات نبيلة وشجاعة من بعض الوجوه الثقافية ومنهم الكاتب يوسف المحمداوي والأديب الإنسان عبد شاكر ، في تلك المرحلة العصيبة حيث الدم أغلق شوارع وساحات ( باب المعظم ) كنا نتفهم أسباب اعتذار بعض الأسماء ممن لهم مشاركات او تم اختيارهم لتكريمهم ، لكن الرسول الذي أوفدناه الى مدينة بعقوبة لدعوة الأستاذ محي الدين زنكنه باعتباره من ( بيض الوجوه ) عاد حاملا صوت زنكنة مؤكدا : سأحضر ولو زحفا ! وفعلا كان عندنا في قاعة المنتدى الإسلامي برصانته وهيبته وتاريخه الناصع . اما الموقف الثاني فيلح علي اللحظة كأنه حدث بالأمس مع انه تاريخيا يعود الى اكثر من خمسة عشر عاما ، وقتها كنت مسؤولا عن القسم الثقافي في مجلة ( الشباب ) البغدادية وكنت أضع منهجا لعقد ملفات وفتح محاور عن ابرز الأسماء والظواهر الثقافية الناشطة محليا وخارجيا ، وقد عزمت على فتح ملف خاص عن المبدع الكبير محي الدين زنكنة يتناول سيرته الإبداعية والحياتية لكونه احد أعلام الثقافة في العراق ، واذكر تماما ان زنكنة أرسل رسالة شفوية يشكرني فيها على هذه المبادرة ويثني على دلالاتها ، وكانت الحصيلة خصبة ونوعية بعد ان اشرف على إعداد الملف في مدينه بعقوبة الأديب والكاتب المسرحي ( صباح الانباري ) وهو من اخلص تلامذة الراحل ومن أكثر المعنيين والدارسين لإبداعات زنكنة في مختلف مناحي الثقافة . ان رحيل ( آخر عناقيد شجرة الإبداع العراقية ) كما وصف مؤخرا صدقا يفتح طاقة الكلام ولا سيما ما تنوء به الأعماق .. ولكن ذلك يحتاج مني الى العودة ثانية الى هذه المحطة أرجو ان تكون قريبة .

 

 

    وداعا كاكه محي .............................................................جمال بابان

 

31-08

 

نحن قوم لا نولي الاهتمام والتقدير اللازم للمرء حق قدره الا بعد وفاته، ولا احسب ذاتي خارجاً عن هذه الدائرة (مع الاسف) الا انني اسلي نفسي بانني ومنذ وجود المرحوم زنكنه في بعقوبة وبغداد كنت على اتصال معه الى ان التقينا اخيراً ونحن نسكن السليمانية. فأنا منذ الشهر السادس 2003 والمرحوم في 2007 كما اعتقد وبالرغم من لقاءاتنا المستمرة فقد خصصت لسيرته (5) صفحات كاملة من كتابي (اعلام كرد العراق 2006). وفي السليمانية لم تغفل عنه الجهات الثقافية والادبية وخاصة مؤسسة (سردم) الثقافية التي احتضنته لأنه كان جديراًَ بكل احترام ومودة نظراً لكفائته العلمية والادبية والاخلاقية الفاضلة وشخصيته الفذة، رحمه الله واسكنه فسيح جناته ولأهله وذويه الصبر والسلوان. يمكن القول بأن المرحوم زنكنه يصنف في الصف الاول من (كتاب المسرحية) وكذلك في كتابة الرواية والقصص. فهو يعتبر ولحد اواخر ايامه ذخيرة حية لا تنضب في رفد المسرح سواء كان العراقي او العربي والى حدما العالمي بنتاجاته الجادة التي تعبر عن الامكانيات الهائلة التي كان يمتلكها هذا الكاتب في هذا المجال. ليس ادل على ذلك من اهتمام النقاد والدارسين بنصوصه، حيث بلغ ماكتب عنها (الى حد 2006) (176) مقالة ودراسة، والاهم من كل ذلك انه حصد افضل مايمنحه العراق من الجوائز في المواسم المسرحية خلال اعوام متفرقة من (1969-1990) ونيله شهادات تقديرية من وزارة الثقافة والاعلام عام 1988 ومن نقابة الفنانين (المركز العام) وفرقة المسرح الشعبي عام 1987، كما كرم في مهرجان منتدى المسرح الثالث عشر عام 1997 بوصفه رائداً من رواد المسرح العراقي ومن ثم نيله جائزة الدولة للابداع عن مسرحيته (رؤيا الملك) عام 1999. بالرغم من كون المسرح هاجسه الا انه الف في نفس الوقت روايات تعتبر مهمة (رواية آسوس 1975) ورواية (وهم 1977) ورواية (بحثا عن مدينة اخرى) كما انه كان ناشطاً في كتابة المقال ايضاً، حتى بلغ مجموع مقالاته خلال الفترة مابين عام 1978-1987 اكثر من خمسين مقالة موزعة على عدد من المجلات والصحف. يقول عنه الاستاذ الراحل علي جواد الطاهر: محيي الدين زنكنة أديب غير مجهول لدى الخاصة.. وتواضعه من العوامل التي حالت دون الشهرة.. ويكفي ان اقتحم ميدان المسرحية ونجح بها بما شهدت له المسارح والفرق والنقاد. وفي الوقع كان المرحوم مسرحي متألق وقاص مبدع وروائي مجد ومؤلف قدير، اما من اين جائته هذه الامكانية الفذة، فيقول الاستاذ صباح مسلم الانباري الذي الف عنه كتاب (البناء الدرامي في مسرح محيي الدين زنكنه 2002): لقد حرم زنكنه منذ طفولته من حرية التعبير عن ذاته بسبب ظروف ذاتية وموضوعية، حيث انه ولد من اسرة كردية عريقة في محلة شاطرلو بكركوك، والده حميد زنكنه كان رجلاً له من السطوة والنفوذ على افراد عائلته مما جعله متنفذاً في ادارتها ميالاً كاقرانه في ذلك الزمان الى توسيع دائرة نفوذه بالزواج والانجاب. الا ان زنكنه الابن كان يرفض في داخله دكتاتورية الاب وهو يرفض شكل السلطة التي كان يمارسها الاب واستبداده، وبدأت افكاره تتقاطع مع افكار الاب. وبما انه منع من حرية التعبير لذا منح هو تلك الحرية لشخوص قصصه ورواياته)، ويضاف الى ماورد اعلاه تخرجه من القسم العربي من كلية الآداب واتقانه اللغة العربية بالاضافة الى لغته الكردية مما دفعه الى ان يستقي من مناهل ومصادر الثقافة باللغتين وخاصة كتب المسرح والروايات والقصص سواء كانت اصلية او مترجمة لكبار الكتاب العالميين

 

 

    عاشقاً للسموّ الخلقي والسموّ الفني............................... أ.د. فائق مصطفى

 

 

1-09

لا أدري كيف أبدأ الحديث عن صديقي الراحل محيي الدين زنكنه، الحديث عن خلقه وشخصيته وابداعه اذ كان – رحمه الله – بحراً من الخصال الكريمة والسجايا النبيلة التي نادراً ما نجدها في زماننا هذا. لقد اجتمع في شخصيته التواضع والبسالة والعفة والنزاهة والصدق والانفة، مع عشق الثقافة بكل الوانها واشكالها قراءة وكتابة. تعرفت علىالراحل عام 1960 عندما كنت طالباً في الخامس الاعدادي، في نادي اتحاد الطلبة بكركوك حيث القى محاضرة عن الكاتب الروسي المعروف مكسيم كوركي ملقياً الضوء على رواياته الثورية مثل رواية (الأم). بعد ذلك دخلت كلية الآداب/جامعة بغداد فاذا به طالب في السنة الرابعة كله جدّ وحماس في ميداني الأدب والسياسة، فتوطدت بيننا اواصر الصداقة، يجمع بيننا انتماؤنا الى كركوك، وحبّ الأدب، والهم السياسي المشترك ولاسيما حبّنا للزعيم عبدالكريم قاسم. ثمّ تخرجنا في الجامعة فعين مدرساً في بابل ثم في بعقوبة، وسافرت الى مصر لأكمال دراستي. وفي الثمانينيات والتسيعينيات صرنا نلتقي في المهرجانات والمؤتمرات الثقافية ببغداد واخيراً استقرّ بنا المقام في مدينة السليمانية التي صارت ملاذاً لكثير من الأدباء والمثقفين العراقيين. أخذ الراحل يكتب المسرحيات منذ الستينيات من القرن الماضي حتى رحيله في 21/8/2010، وصار المسرح هاجسه الأول في الحياة الامر الذي جعله يتقن كتابة المسرحية الطويلة والمسرحية ذات الفصل الواحد، فصارت مسرحياته تطبع في كتب وتعرض في العراق والدول العربية والاوربية وتنال الجوائز في المهرجانات المسرحية، وتصدر عنها كتب ودراسات مثل كتاب الناقد صباح الأنباري (البناء الدرامي في مسرح محيى الدين زنكنه). كذلك دخلت هذه المسرحيات الميادين الاكاديمية حيث كتبت عنها ثلاث اطاريح جامعية (اثنتان ماجستير وواحدة دكتوراه) في جامعات الموصل وديالى والسليمانية. ولعلّ كل هذا تم بفضل امور ثلاثة توافرت فيها: اولاً: لغتها العربية الفصيحة والسليمة والسلسة، لاتكلف فيها ولا تعقيد. ثانياً: تجسيدها انبل القيم الانسانية المتعلقة بالحرية والتقدم ومحاربة الظلم والطغيان والدفاع عن العدالة الاجتماعية. ثالثاً: الخصائص الجمالية التي توفر فيها المتعة والتأثير. وفي الوقت نفسه اصدر الراحل عدداً من الروايات الرصينة التي حظيت باقبال القراء عليها، وصارت تدرس في الجامعات، وكتبت عنها اطروحة دكتوراه في الجامعة المستنصرية للدكتور رؤوف عثمان. كما صدر لكاتبنا الراحل عدة مجاميع قصصية. ان المتتبع لأعمال الراحل المسرحية والروائية يلحظ عليها سموّاً خلقياً يتمثل في التزام الكاتب بالقضايا الاجتماعية والانسانية، والالتزام – كما يعرفه بعض النقاد – هو وجوب مشاركة الاديب بالفكر والشعور والفن في قضايا قومه الوطنية والانسانية، وفيما يعانون من آلام وما يبنون من آمال. فليس له مثلاً ان يستغرق في التأمل في الجمال الخالد والخير المحض، على حين يعاني وطنه ذل الاحتلال، واعناء الطغيان، وليس له ان يسترسل في خيالاته ومشاعره الفردية، على حين وطنه من حوله او طبقته الاجتماعية في وطنه تجاهد في سبيل آمال مشتركة. في مسرحيته الشهيرة (السؤال) دان الطغيان والاستبداد وفضح توجهات الانظمة الدكتاتورية نحو شراء ذمم المثقفين وتسخيرهم لخدمة اهدافها، ودافع عن الزعيم عبدالكريم قاسم مصوراً الظروف والاسباب التي ادت الى مصرعه. ان محور المسرحية الطبيب صفوان بن لبيب الذي يستطيع انقاذ احد الفقراء من صداع مزمن فيحظى بمودة الناس ويصبح حديث الناس حتى يبلغ خبره الخليفة فيستدعيه لالحاقه بخدمته، لكن الطبيب يعتذر لانه يريد ان يظل للناس يداويهم ويعالجهم من اسقامهم الكثيرة، الا ان الخليفة يغضب ويطرد الطبيب من المشفى ويحظر على الناس ان تلهج بذكره، لكن الناس تزداد تعلقاً به، وينصرف آنذاك الى صنع الادوية والقراءة والتأمل. وذات اليوم تقتل أمرأة زوجها بمعونة عشيقها ويتخلص الاثنان من الجثة بتركها امام بيت الطبيب حيث يطرقان بابه ويدعيان انهما جلبا مريضاً ليداويه الطبيب ثم يتسللان في الظلام. لكن الطبيب لا يحاول التخلص من الجثة، بل يخبر الشرطة بذلك فيلقى عليه القبض ويحكم امام محكمة غريبة وعجيبة. وعندما يحاول الدفاع عن نفسه توجه اليه تهم أخرى، ويطلب اليه اهله واصدقاؤه ان يقبل انقاذه بطرق غير مشروعة كارشاء بعض المسؤولين، الا ان الطبيب يأبى ذلك عندئذ يحكم عليه بالموت ويستغل اهله واصدقاؤه ابشع استغلال. استطاع الراحل هنا ان يجسد شخصية انسانية متميزة، فالطبيب صفوان انسان مثالي بكل معنى الكلمة، انه نموذج حيّ للخير والوطنية والفضيلة والنقاء والنبل وكل المثل الانسانية الحميدة كالتسامح والمحبة والامانة والتضحية والاخلاص فهو يحب كل البشر، ولا يعرف الحقد والكراهية، ويجد سعادته في التخفيف من آلام البشر اذ يداوي الفقراء بلا مقابل، ويهوى القراءة ويسهر الليالي مع الكتب، وهو مادام مثالياً فلابد ان تكون وسائله في الحياة الواقعية مثالية فلا كذب ولا نفاق ولا رشوة مهما كانت الظروف ومهما كانت الدوافع حتى اذا كان في ذلك نجاته من الموت، فهو يلقى الموت ولا يفرط في مبادئه. هذا وليس صعباً على القارئ ان يجد شبهاً كبيراً بين الطبيب صفوان والزعيم عبدالكريم قاسم. ولعلّ زنكنه بتجسيده شخصية الطبيب، أراد ان يصور شخصية عبدالكريم قاسم وسقوطه التراجيدي اثناء انقلاب الثامن من شباط عام 1963. اما رواية (ئاسوس) الصادرة في عام 1976، فقد كتبها الراحل ليطرد اليأس من النفوس ويملأها بالآمال في ما يخص مستقبل الثورة الكردية في العراق، فهذه الثورة، على الرغم من اصابتها بانتكاسة في اعقاب اتفاقية الجزائر المعقودة بين صدام حسين وشاه ايران، الا انها – كما يظهر في الرواية- ستصمد وتنتصر في المستقبل بسواعد ونضال شباب المستقبل. فمحور الرواية عائلة كردية منفية الى مدينة الحلة تتكون من أب وأم وطفل يدعى (ئاسو) متعلق بطائر من فصيل القبج اسمه (ئاسوس) اهداه اليه جدّه في اربيل. تبدأ الرواية بمكالمة تلفونية تأتي الى الاب من اربيل تخبره بان أباه يحتضر وعليه ان يصل سريعاً الى اربيل، لكن عراقيل كثيرة تعترض طريق سفر العائلة. وفي اثناء ركوب العائلة السيارة متوجهين الى اربيل، ينسون نقل الطائر الى بيت الجيران، لهذا يظل الطفل يبكي طوال الطريق طالباً الرجوع الى البيت لان طائره سيموت من العطش والجوع. واخيراً يقرر الاب العودة الى البيت بالحلة لانقاذ الطائر. ان الطائر (ئاسوس) هنا رمز للثورة الكردية واستمراريتها، فالجدّ الثائر الذي قضى عمره بين الجبال يسلم، عندما يحس بدنوّ اجله، (ئاسوس) الثورة الى حفيده الصغير (ئاسو) الذي يرمز الى المستقبل، اي اجيال الشباب الذين سيتسلمون راية الثورة من الشيوخ لتبقى راية الثورة مرفوعة ابداً. لكن زنكنه في اعماله كافة لم يمل الى الالتزام بالاسلوب التقريري المباشر الذي يقضي على جماليات الاعمال الادبية ويحوّلها الى اعمال تعليمية تنحصر قيمتها في المناسبات التي تكتب من اجلها، وانما مال الى الاسلوب الفني القائم على استخدام الاقنعة والرموز والتناصات التي تجعل العمل الأدبي حيّاً وداخلا في خانة الفنون الجميلة.فهو في مسرحية (السؤال) –كما رأينا تقنية القناع (الطبيب صفوان) ليصور شخصية عبدالكريم قاسم، او شخصية المثقف الذي تسعى السلطة الدكتاتورية الى تسخيره لخدمتها، لكنه عندما لا يرضخ لها يكون مصيره الموت. كذلك في رواية (ئاسوس) استخدم رموز (ئاسوس) و (ئاسو) لتصوير مصير ومستقبل الثورة الكردية. ان رحيل محيى الدين زنكنه خسارة فادحة للثقافة العراقية، لكن عزاءنا ان أدبه بمسرحياته ورواياته وقصصه، سوف يكون خالداً، ويغدو لبنة من لبنات تراث الأدب العراقي الحيّ.

 

 

    وداعا ابو آزاد .......................................................عبد الكريم الدهلكي

 

1-09

قبل غروب الشمس كنت مع احد اصدقائي واذا بهاتفي يرن ما ان شاهدت الاسم سرت رعشه في دمائي وانتاببني خوف شديد وقلت لصديقي ها قد توفى ابو ازاد قال اولا اجب على الهاتف ما ان اجبت واذا بازاد يبكي وقال كلمه واحده كريم والدي قد توفى الان لم استطع ان اتمالك نفسي انتابتني رعشه و بكاء شديد اتجهت الى السياره مباشره على امل الذهاب الى السليمانيه لكن وجدت ان الطرق تغلق لم استطع من الوصول للمشاركه بالتشييع ذهبت صباحا واصبح لدي قناعه انها حقيقه فقدت استاذي ورفيقي وصديقي بعد ان وصلت الى مقبرة السليمانيه برفقة اصدقائي تيقنت ان الحياة قد خطفت مني ومن محبيه الاستاذ محي واصبح لدي يقين اني لم ولن التقيه ان صحبتي لاستاذي طالبا وصديقا وابا واخا دامت اكثر من 30 عام زادني اصرارا بالحياة وكان يزودني بالامل بالثقافه كان يحب بعقوبه وبعقوبه وناسها قد احبته قدم لها الكثير وقدمت له الكثير تلقيت المئات من المكالمات يعزونني بوفاته كانني ابنه ازاد وفعلا كان المرحوم يقول لي كريم انت حقيقه بمثابة ازاد كنت افتخر بهذه التقييم والثقه لم ابخل عليه بتقديم أي شيى يطلبه مني ولم اقصر معه وهو كان يتباهى بين اصدقائنا انه لايشعر باي شيى يحتاجه او يطلبه ما لم كريم يوفر له وخاصه الكتب والمجلات الادبيه والسياسييه ترك بعقوبه مرغما وكان يعيش هم نقل مكتبته الكبيره ونقلناها له انا وصديقي صادق الدر وكان يعيش في مدينة السليمانيه على الرغم انه بين ابناء قوميته ولكنه كان يفتقدنا ويفتقد بعقوبه بعقوبه كانت تسري في عروقه مرات ينتابه البكاء عندما نجلس سويه ليلا على بعقوبه وعلى ما نمر به ويمر اصدقائه من ظ وف صعبه نتيجة وضع بعقوبه الاستثنائي عندما داهمها الجراد الا سود وكان فعلا يقول لي كريم كتبت الجراد عن انقلاب عام 1963 الاسود ولكن يبدو ان قدر العراقيين ان الجراد يزحف وسيزحف عليهم مرات ومرات ولكن كنا نشيع الامل به ونقول ستعود بعقوبه يوما ما معافاة وسنسحق الجراد وسيشيع الامل ابو ازاد تعلمت من الثقافه والعلم من خلال المدرسه ومن خلال الجلسات كان لي مرجع لغوي وادبي وسياسي استشيره بالكثير من الامور عاش الزهد ايام النظام البائد كان يستطيع ان يبيع قلمه لهم لكنه فضل الفقراء فضل ناسه على كل مغريات الحياة وقفنا الى جانبه وكان لايقبل ان نتعامل معه على انه يحتاج احد يقول هذا اختياري بالحياة وفعلا مررت معه بمواقف كثيره كان كثير من الاصدقاء يسئلونني عن ان يقدمو له الخدمه والمساعده وهم يعرفون انه يرفضها ففضل حياة الزهد على حيات الترف وكابد وقاسى ظنك العيش ورغم كل هذا كان مبتسم يشيع بينا الامل وقف الى جانبي مرات ومرات وكان يتالم لاي ظرف اتعرض له ويعيش همومي كانها همومه وهذا يزيدني عزما على تجاوز الصعاب فكيف انسى ابو ازاد كيف انا حقا افتقدته فقدت توازني برحيله كنت اتباها بصداقته وبمحبته لي عندما ادخل الى بيته كاني احد افراد عائلته افرح بهذه الثقه من قبله بي وهم يفرحون بقدومي لهم احقا انا افتقدت ابو ازاد لااصدق لااصدق رحيل ابو ازاد عني وبقيت اياما لااستطيع ان اكتب عنه شيى ولهذه اللحظه اعيش مرارة الفقدان وخسارتي الكبيره لرفيقي واستاذي وصديقي وابي الاستاذ محي الدين زنكنه ...

 

 

    ( محي الدين زنكنه ) يستحق أن تنحني له الجموع ............... عماد الاخرس

 

 

1-09

بكبرياء وحب صادق انحنى المخرج المسرحي ( سالم الزيدى ) احتراماً وتقدير أمام صورة الأديب الكبير الراحل ( محي الدين زنكنه ) المعلقة على واحدة من الأشجار المعمرة لاتحاد أدباء ديالى الذي أقيم فيه الحفل التأبيني بمرور أيام على رحيله . وأقول للاستاذ ( الزيدى ) .. لقد نلت إعجاب وتقدير جموع الحاضرين الذين كان بودهم الاصطفاف بجانبك والانحناء أمام هذا العلم الأدبي العراقي الشامخ لولا الإرباك الذي قد يسببه هذا لسير الحفل. حقا يستحق وفاء أهالي ديالى وانحنائهم أمام صورته كاتب مسرحي كبير يعشق مدينتهم ويرفض فراقها رغم المغريات وأفنى حياته مناضلا من اجل الكادحين و الفقراء وعاش مرفوع الرأس بعز وكرامه لم يمد يده لبذخ الطغاة . حفل تأبيني رائع للأديب الراحل قام بالتحضير والإعداد لفقراته رئيس اتحاد أدباء ديالى الأستاذ ( صلاح الدين زنكنه ) والرفيق كريم الدهلكى رئيس اللجنة الإعلامية لمحلية الحزب الشيوعي العراقي . لقد تحدث في هذا الحفل عدد من أصدقاء الراحل معجبين بقابليته الإبداعية ومؤكدين وطنيته الصادقة وعزة نفسه وعفته التي يتمتع بها رغم ظروف العوز التي مر بها في حياته . إن الكادحين والفقراء هم قضية ( زنكنه) الشريفة التي ناضل من اجلها ويدور حولها أغلب أبطال وشخوص مسرحياته وجميع كتاباته منذ بداية حياته الأدبية والى يوم رحيله . وبما إن المبدعين والمفكرين لن يرحلوا أبدا حتى لو وارت أجسادهم الثرى لذا فان الأديب ( أبا ئازاد ) الذي يعتبر احد رموز الثقافة العراقية سيبقى خالدا ابد الدهر. نعم .. رحل جسد ( زنكنه) بلا عوده ولكن ستبقى نتاجاته الأدبية الرائعة شمس تنير طريق الثقافة العراقية على مدى الأجيال . عزائي للعراقيين جميعا على خسارتهم لهذا الكاتب الكبير لأهالي ديالى وأصدقاء وذوى الراحل الصبر والسلوان لاتحاد أدباء ديالى الشكر والتقدير على إقامته هذا الحفل التأبيني للأديب المسرحي الكبير الراحل ( محي الدين زنكنه ).

 

 

    دع خيالك ينطلق اكثر مما ينبغي ......................................حسب الله يحي

 

2-09

حسب الله يحيى

فقدت الأوساط الثقافية العربية بشكل عام والكوردية بشكل خاص احد قامات الابداع البارزة.. الكاتب المسرحي والروائي والقصصي : محيي الدين نكنة ،الذي شكل حضوراً مائزاً في سائر كتاباته النقدية الملتزمة ومواقفه التي ظلت امينة لمبادئها وعطائها الثر ..على الرغم من كل العقبات التي واجهها .. هنا قراءة لمجموعته القصصية الاولى. أكان الزاما على الكاتب المسرحي والقاص محيي الدين زنكنة ان يحدد موقفاً نقدياً من قصصه ويطلق عليها حكمه ليصير عنوان كتابه: “كتابات تطمح ان تكون قصصاً” ثم ينفي هذا الراي النقدي بعدئذ ،وتحت العنوان الرئيس لكتابه مباشرة حيث يحدد هوية الجنس الادبي الذي يكتب فيه وهو “قصص قصيرة” ! لقد نفى زنكَنة منذ كلمات الغلاف الاولى الموقف او الراي النقدي الذي حدده لكتابته . ونحن نتفق معه الى حد كبير ذلك ان ماقدمه يعد فناً قصصياًً ..وليس طموحاً للوصول الى هذا الفن الذي شكل هويته مسرحياً وروائياً من قبل ..ولا يختلف فن القصة عن الفنون التي مارسها سوى في تكثيف اللحظة والاقتصاد في اللغة والشخصيات والاحداث ..ومن هنا نقرأ زنكنة قاصاً عبر مجموعته الاولى هذه . كان زنكنة كاتباً مشغولاً باستقراء الواقع ،والتداخل في شعاب الحياة المختلفة ..وهمه الاساس التعبير عن هذا الواقع الذي يعرف كل جزئية فيه ،وحين يعجر في التعبير باسلوب واقعي عنه ،يلجأ الى الرمز ،لابقصد ممارسة شكل فني ،وانما القصد الاساس هو ايصال المعنى ،وتحديد رؤيا ،واقامة فعل ،واثارة انتباه نحو قضية ما . زنكنة ،يكتب عن الاشياء التي يعرف والتي له علاقة صميمية بها ..وهو لايتخيل شخصيات بعيدة عن محور الحياة المحيطة به ..وهذا لايعني انه مجرد ناقل لاحداث ووقائع ،وان الخيال عنده معدوم .. ان محيي الدين زنكنة يشكل الواقع الذي يعرف ،بالخيال الذي يحكم به ..فتجيء قصصه حية،متحركة ،تنبض فيها ارادة الانسان . ففي قصة “الضيوف” ثمة معايشة بين بطلة قصة “منتهى السعادة” لكاترين مانسفيلد وبطلة “الضيوف” ..ففي قصة مانسفيلد انتظار للضيوف ،وكذلك في قصة زنكنة. ثمة بحث عن الوحدة لانجاز امور خاصة ..في حين تكون الزوجة بانتظار ضيوفها الا ان وحدتها هي - انها بلا اطفال - يقودها للاعتقاد بان زوجها يريد الضيوف اكثر منها.. ان الوحدة هنا جزء مهم في حياة الكاتب ،والوحدة جزء مدمر في حياة الزوجة وهما عالمان نقيضان ،الا ان زنكنة قدم كلا العالمين كحدث عابر ،من دون ان يعمق صلته باعماق الشخصيات ، ومن دون ان يغني العالم الداخلي لها . لقد اخذ الشكل المظهري وبنى عليه احداث القصة ،وهو جانب وجدناه بيناً في قصص اخر مثل “طفولة ملغية” والغاء الطفولة هنا حرمانه من عالمها السار والرحب ،وحرمانها من اللعب وبهجته ،وادخالها معترك الحياة مباشرة .. نزار - الطفل مات والده .وكان لابد منه ان يعمل ..واختارت له اخته ان يعمل ميكانيكياً للسيارات مع زوجها ..ويتعرف الطفل على كلمات جديدة ..وينسي زمانه وطفولته ،حتى انه ذات جمعة سبق “الاسطة” في فتح الدكان ،وتبين ان الجمعة عطلة وان “الاسطة” لن ياتي هذا اليوم ..ومثل هذا التناول ،وعلى الرغم من غنى الواقع الي تعامل معه ،وانسانية تناوله ..على الرغم من ذلك يبقى حدثاً لايخترق حدود الكلمات ،بل يظل يدور في محور واحد .. وفي “السد يتحطم ثانية” نجد قوة الفلاحين ،تفرض ارادتها على صاحب المزرعة وعلى مختار القرية ..فالسد الذي اقيم يفترض ان يكون لصالح الفلاحين جميعاً ..وليس لصاحب المزرعة لوحده ..لذلك يقود “شيركو” ورفاقه لتحطيم السد ،ولتندفع المياه بلا حواجز .. ومع ان هذا الحدث متداول ،وقد عني الكاتب بتقديمه كواقع حي ،الا انه كان موضوعاً قائماً وقد بذل زنكََنة جهدا في تشكيل رؤية جديدة للحدث لكن وقائعه تعرف منذ السطر الاول للقصة ..ومع ان المؤلف عمل على تحديد هوية الجهة التي بنت السد ،نتساءل: هل كان البناء لصالح الناس ام ان سلطة رجعية سابقة بنته لغرض دعم مركز صاحب المزرعة ؟ ثم ماهو تصور الفلاحين للبناء وشراء الارض والاستئثار بها ..؟ لقد كان للفلاحين موقف من النتائج ،وليس من الخطوات المتراكمة التي ادت الى تلك النتائج. وفي قصة “حرمان” نجد الطفل “شوان” وقد كسر ساقه بينما الاطفال يلعبون ويصطادون العصافير ،او يدفعون سيارة حتى يبدأ محركها بالعمل فيركبون مسافة الى جانب السائق ..انها حاجات طفولية ،فيها شيء من التشبث بالحياة وحركتها ،وفيها قدرة على التعلق بالأماني الجميلة ..لكنها ليست على درجة كبيرة من استثمار ابعاد الواقع . وينقلنا الكاتب الى لون آخر في “سبب للموت ..سبب للحياة” حيث نتعرف على ممارسة عنيفة ازاء الافكار المضادة ..فيجد البطل حضوره حين يتبين ان موته ليس مجانياً ،بل هو موت من اجل الحياة ..لكن زنكََنة يقع في المباشر حيث ترد عبارات جاهزة مثل :”الافكار - وهذا امر معروف - اذ تتغلغل بين الجماهير تغدو قوية مادية “وثمة صورة اخرى في قصة “الرجل الذي امتهن دراسة الكائنات البشرية” يقدم مقارنة بين انطفاء الحياة والغربان ..حتى يجد سكان المدينة أمواتاً.. على امل ان يعود بتصميم اكيد ،وتبدو هذه القصة ناقصة ،وان الحدث الاساس فيها لم يكتمل ..فالعودة لاتقوم على اسس منطقية ..وليس هناك مسوغ للعودة الا من خلال وعد الكلمة حسب ..وهذا لايكفي امام شرف الحياة ،وامام الق الكتابة المتفائلة والمعمقة . وفي “حيث الناس يعيشون كالهواء” نجد زنكََنة يرمز ،ويوضح ويبتعد عن الواقع ليصل اليه ثم ينفي ليؤكد ..حتى يلخص المعنى الذي يريده بهذه الكلمات : “لقد فكرنا ،والملك منع التفكير ،وحلمنا والملك منع الحلم ،وتحدثنا عن امدينة التي يعيش اهلها كالهواء ،والملك منع الحديث عنها ..” وتظل القصة تدور في محور المكان ذاته . يعود زنكََنة ليتعامل مع الحلم والواقع معاً ،وشاهدنا قصة “اضطراب في ألوان النهار” حيث نجد شاباً يؤجر غرفة لدى سيدة سافر زوجها ..وحين يدخل غرفته ،يخيل له انه شاهد جثة تنام في سريره ،يخاف ،يهرب من المكان ..ومع خوفه تتمناه السيدة ،وتبذل امامه عفتها ،وحين يخبرها عن الجثة ..تذهب الى المكان ،مؤكدة ان خياله كان متعباً ! فهل كان الحكم هنا هو الخوف من الاثم ،ام كان خوفاً قائما على انحطاط العلاقة ،من دون الحاجة للجسد والعاطفة ؟ هذا ما ظلت القصة تبعد الذهن عن الاجابة او التعليق او استدعاء اللحظات المكثفة .. وتقع “قصة تقليدية ..جداً” في خدوش لقطة لوجه ما، ثم نتبين ان المسألة لاتتجاوز الخيال ففي الختام ،نقرأ نصيحة الام :”لاتدع خيالك ينطلق اكثر مما ينبغي..في خلق الاوهام” ولا ندرك الوحشية التي تميز القطة الا من خلال حجزها ..وعندئذ تكون القطة نموجاً ايجابياً للخلاص.. والخلاص من حرية مغلولة ،حرية مطلقة حالة مقبولة ،في حين تكون الممارسة الوحشية للقطة مجرد تخيل ما تؤكده العبارة الاخيرة .. ان محيي الدين زنكََنة ..يمتلك مشروعاً لكل قصة ،لكنه ينجزها على نحو نهائي ،وعلى وجه من يرى ان اوان تناول الاحداث التي يقدمها قد صارت تقليدية الى حد كبير ..لذلك قدمها كـ “كتابات ..” فيها شيء كبير من فن القصة ،وفيها اشياء نحسها ونتلمسها في صدق المعنى الذي يريد الكاتب توصيلة الينا . زنكََنة ..تعامل مع الواقع بخبرة ودراسة ،لكن قدرة استلهام هذه الخبرة وهذه الدراية قصصياً بدت اقل فنياً مما هي واقعياً ..ولكنها تبقى في جملة اخيرة قصصياً جديرة بأن تقرأ وان تناقش في حدود كتابتها واصدائها ،وليس خارجاً عنها ..فقوانين التعامل معها كانت التزام الكاتب التزامنا معه في قراءتها بوصفها “كتابات تطمح ان تكون قصصاً” وقد صدق ..وصدقه يكفيه. زنكََنة ..حبر أصيل وكلمة نقية وموقف مضيء ..حفر حضوره في الذاكرة بعمق .

 

 

    محي الدين زنكنه ... عملاق في حياته و خالد في رحيله .... عبد الحسين الحيدري

 

2-09

محي الدين زنكنه.. اسم شغل الوسط الادبي والثقافي والفني قرابة نصف قرن او يزيد من عمر المتن الحكائي والتعليمي والمسرحي العراقي والعربي وصولا الى العالمية التي استقبلته استقبال الفاتحين والغائصين لدراسة وتحليل النفس البشرية عبر نتاجه الادبي والمسرحي . نشأ الفقيد في بيئة كوردية صادقة صافية ابية تواقة الى حرية الانسان وخلاصه من نير العبودية والاضطهاد الاثني والطبقي. ومن شدة تعلقه بالانسان عامة والعراقي خاصة اصبح هاجسه الاول والاخير هو الدفاع عن الانسان في العيش الرغيد والحر في اختيار ما يراه مناسبا لرأيه وفكره. اذ ان اسم محي الدين زنكنه سيبقى خالدا في اذهان طلبته الذين تخرجوا في مدرسته الانسانية الكوردية في الطيبة العميقة في الثقافة واللغة العربية ونالوا منه اعلى درجات حب الكرامة والشموخ وعدم طأطأة الرأس الا لبارئه سلاما.. سلاما من السلام الرحمن الرحيم لروحك الطاهرة التي عاشت ابية شامخة. ابا ازاد. رحلت عنا الى الخلود بارادتك ورغبتك. ابا ازاد الخالد.. اين على ثقة بأن روحك الطاهرة الان ترفرف على قمم كوردستان مطمئنة فرحة بما حقق شعبك من انجاز وطني وترفرف خفاقة على اهلك ومحبيك.. صديقي الكبير في دماثة ادبه وخلقه استاذي الذي تعلمت منه الصمود والصبر والبساطة.. ان رحيلك افجع محبيك واصدقاءك.. اذ ان شجرة المبدعين الحقيقيين في العراق بدأت رحلة الضمور والجفاف. وها هي اوراق الاسماء التي حفرت باظافرنا الجمود والصخر لانشاء ثقافة الانسان الراقية التي كانت ترنو نحو افق واضح المعالم للوصول الى العلا والسمو عكس الذين اجتهدوا ومازالوا يعملون بكل جد وحمية لطي صفحة الثقافة والادب والمسرح الكوردي والعراقي عبر انصاف المثقفين واشباه البشر الذين آلوا على انفسهم على ان لايبقى على الارض من يهتم بشأن الانسان الذي اكتشف بأنه موجود رغم انفه يعيش على هذه البقعة من الكون. وقد التفت حوله كل ضباع ووحوش الارض لتنهش من لحمه وعظمه.. صديقي الراحل الخالد عهدا علي ان نبقى حاملي الامانة للوصول بها الى بر الامان اي خلاص الانسان الحر الشريف من نير ظلم الجائرين القادمين من دهاليز الجهل والفساد والامية السحيقة. وستبقى مشعلا ينير درب محبيك واصدقائك. فسلاما لاسمك وروحك وتاريخك سلاما سلاما.. ولك الخلود والجنان في العليين . انا لله وانا اليه راجعون

 

    زنكنة.. أَحب مدينة البرتقال ......................................مؤيد داوود البصام

 

مؤيد داود البصام

3-أيلول

 

رحل عنا الرجل الذي ظل مخلصا لفكرة (الحرية) ان كانت للفرد او للشعوب، وظل يناضل بما آمن به بصمت، حتي وهو في أشد ازماته عندما اشتد عليه مرض عينيه، مثل جبل الصوان، يتحمل آلامه ويقاتل من اجل الانسان والانسانية بصمت. اجابني الشاعر الراحل سركون بولص قائلا: اقلنا حديثا محيي الدين. عندما قلت له: كنت انت اقلهم حديثا . (في معرض حديثنا عن مجموعة الادباء الذين اطلق عليهم لقب جماعة كركوك)، كان هذا اواخر عام 1966 في مدينة بغداد، ونحن نسير عند الباب الشرقي ذهابا الي المقهي الترابي في شارع سينما الخيام، حيث كنا نلتقي كل يوم مساء، فقليلا ما كان يخرج سركون في النهار الا اذا كان مطمئنا من خروجه، بسبب دوريات الانضباط العسكري التي اطلقها في وقتها العقيلي وزير الدفاع في ملاحقة المطلوبين للخدمة العسكرية. وظلت من وقتها تحمل هاجس الرعب لكل الادباء والمثقفين الذين تمسهم القضية، في تلك الفترة تعرفت علي المبدع الراحل محيي الين زنكنه، من حديث اصدقائي سركون بولص ومؤيد الراوي، ولكني لم التق به، حتي حانت الفرصة، عندما أنشانا فرعا في مدينة بعقوبة لمؤسسة البصام للثقافة والسينما والمسرح، التي كنت رئيسها اوائل عام 1968، وأصدر الفرع عدد خاص من المجلة التي نصدرها في بغداد، )الفنون المعاصرة) عن الادب في بعقوبة او لأدباء مدينة بعقوبة، (واحتفظ بنسخة منها في ارشيفي)، وكان من ضمن من كتب فيها الراحل محيي الدين زنكنه قصة قصيرة، فقد عرف في بداية الستينيات ككاتب قصة، قبل ان يشتهر في ابداعاته في كتابة المسرحية، ومن ضمن من كتبوا في العدد الروائية لطفيه الدليمي قصة، والناقد سليمان البكري دراسة نقديةعن المسرح في بعقوبة، وكتاب آخرون من ادباء مدينة بعقوبة، في تلك الفترة تقابلنا وجها لوجه وعرفت محيي الدين زنكنه، ذلك الانسان الذي تتلبسه فكرة الحرية والتحرر من الامبريالية، وصياغاتها الاستعمارية، وكما هو معروف فان طليعة المناضلين في شعوبهم هم من الفنانين والكتاب والشعراء، وكان محيي الدين زنكنه واحد من هؤلاء الاعلام في الدفاع عن قضية شعبه وشعوب الارض قاطبة، بما كتبه عبر خمسة عقود. قيم الدفاع عن الحرية لم يكن محيي الدين انسانا عنصريا، ولا قوميا شوفينيا، كما يحاول ان يصيغه بعض الذين تستهويهم اللعبة، لقد كان انسانا يعتز بقوميته الكردية كما يعتز بها اي انسان آخر، ولكنه كان علي استعداد للتضحية، كما عمل طوال حياته للدفاع عن كل مقهور كائن من كان وايا كانت قوميته زمانا ومكانا، فان ابرز عنصر في مسرح محيي الدين زنكنه الذي يعبر عن نهجه الفكري والنضالي، هو هذا الصراع الذي يؤججه بين ابطاله، وعوامل الاحباطات التي ترافق حياتهم، كان يؤمن بان الرأسمالية هي اس البلاء في مشكلة الانسان والبشرية، وما حدث من نقاش حول مسرحيته (لمن الزهور) التي اخرجها الفنان عزيز خيون، في مهرجان بغداد للمسرح العربي، التي انقسم في تحليلها المناقشين بعد العرض في جلسة التقييم، بين الرمزية والنفسية وعقدة اوديب، او كونها مسرحية فكرية، ولكنهم اتفقوا في النهاية، انها مسرحية تتحدث عن العلاقات الاجتماعية بصيغة الرمز، وهو ما يوضح لنا ان محيي الدين زنكنه، كان مهتما بالانسان كونه ضمن حلقة الاضطهاد الراسمالي اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، ان كان محليا او عالميا، فكان اسلوبه السلس، والمؤثر في استثمار الرمز والدلالات الرمزية، لتصوير الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي العراقي يوصل هذا الحراك النضالي بقيم ابداعية رائعة، يستثمر فيها الرمز بصورة مذهلة، وقد صدرت هذه المسرحية ضمن كتاب ضم ثلاث مسرحيات تحت عنوان (مساء السلامة ايها الزنوج البيض) عام 1985، وهو عنوان احدي المسرحيات الثلاث التي ضمها الكتاب، وهي مسرحية مونودراما من فصل واحد، قدمت علي مسرح الدارالبيضاء في المغرب عام 1990 وقدمتها ايضا لجنة المسرح العراقي في منتدي المسرح ببغداد، وترجمت الي اللغة الكردية، وقدمت علي مسرح معهد الفنون الجميلة في السليمانية. ونستطيع ان نفهم حراكه الفكري الذي كان يعبر عن وجهة نظر ووعي بمشكلة الانسان بما عبر عنها الناقد والباحث في ادب محيي الدين زنكنه، والكاتب المسرحي المبدع صباح الانباري في كتابه عن مسرحية (السؤال) حيث يقول "ينحاز في اعماله الي قيم الدفاع عن الحرية ومحاربة الظلم والطغيان والاستغلال، وقيم الزيف والضلال، ومنوها بدور المثقف في المجتمع، ضمن معطيات فنية لم يضح بها لمصلحة نواياه الايجابية " . خلال غيابي عن العراق فترة أواخر ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لم التق الراحل ولكن الاصدقاء كانوا يوردون لي اخباره، وذلك لاني طيلة العشر سنوات التي قضيتها في المقاومة الفلسطينية، لم احضر الي العراق الا مرتان وبايام معدودة لم تتح لي رؤية جميع الاصدقاء، حتي عودتي وكنت يومها اسير في شارع الرشيد فتقابلنا وصديقي الراحل عوني كرومي وقال: "هل ستحضر مسرحية صديقك التي اخرجها"، كانت مسرحية (صراخ الصمت الاخرس)، وكتبت عنها وارسلت مقالتي لجريدة الجمهورية ولكنها لم تنشر، وبعد عقد ونيف اعطاني صديقنا القاص والروائي سعد محمد رحيم المقال التي احتفظ به في الارشيف، وقال هذه من ابي آزاد، ولم اعرف كيف وصلته، ولكنني استغليت مسافة السفر من بغداد الي مدينة الحلة عام 2000، اذ كان قد اتصل بي وطلب ان نذهب بسيارتي الي مدينة الحلة لحضور مناقشة رسالة ماجستير لاحد طلاب جامعة بابل، عن مسرحياته، وقد سالته عن المقالة، فقال : لانك اصبت في نقدك عن التغيير الذي احدثه الحذف الذي قام به صديقنا المخرج عوني اولا، وما اردت اثارت المسألة، علي الرغم من انزعاجي من كثرة الحذف، وثانيا لانك تعرضت الي الاضطهاد الاجتماعي، ما يكشف الدلالة الرمزية التي اختفي ورائها. وعندما وصلنا الي جامعة بابل، كان في استقبالنا الراحل قاسم عبد الامير عجام و د.محمد ابو خضير احد المشرفين علي الرسالة وبعض من اساتذة الكلية، واقيمت دعوة غداء علي شرفه، وقد خانتني الذاكرة عن الصديقين اللذين كانا معنا في الرحلة. بعقوبة التي احتضنته واحتضنتنا منذ ان استوطن محيي الدين مدينة البرتقال، عام 1969 بعد تعيينه مدرسا للغة العربية فيها لم يغادرها، الا عندما اشتدت عليه الخطوب بعد الاحتلال، الذي جلب الويلات علي العراق وطنا وشعبا، فتركها مرغما الي مدينة السليمانية عام 2006، وكان لقائنا الاول بابي آزاد بعد فراق سنين طوال، عندما كنا نحضر امسية في اتحاد الادباء فرع ديالي، وبعد انتهاء الجلسة التفت د.شجاع العاني وقال: ياجماعه نحن مقصرون بحق صديقنا محيي الدين، اذ كنا نناقش رواية النص، وقال : يومها شجاع ان اول من كتب في رواية النص هو الكاتب محيي الدين زنكنه، وقادنا سعد محمد رحيم الي بيته، وفي المرة الثانية لزياتنا له حملت له معي مجلة (الزمان الجديد) التي كانت تصدرها جريدة الزمان، في تلك الفترة من تسعينيات القرن الماضي، وكانت زوجتي عند عودتها من زيارة اهلها في عمان، تحملها مع المطبوعات التي تصدرها جريدة الزمان سرا، والتي توقفت عن الاصدار بعد (التحرير) الاحتلالي، وكان فيها خبر لباحث ومسرحي عراقي، قدم الي مسرح برودويه في امريكا طلبا لانتاج أحدي مسرحيات زنكنه، وقد وافقت ادارة المسرح بعد اطلاعها علي اعمال ومسرحيات محيي الدين، وقد استبشر خيرا بهذا الخبر، فمن خلال الدعوة التي ستوجه له، يستطيع ان يعالج عينيه هناك، وطلب مني ان احصل علي عنوان هذا الشخص عبر المراسلة مع جريدة الزمان حتي يرسله الي آزاد للاتصال به، كان وقتها ابنه آزاد خارج العراق، لم يكن مهتما باهمية ان تقدم مسرحيته علي مسرح برودواي الشهير بقدر اهتمامه في معالجة عينيه، وبعد الاحتلال عندما اقمنا احتفالا تكريميا بمبادره من الاعلامي يوسف في قاعة التربية في الباب المعظم، وكان المقدم للاحتفالية صباح الانباري، وبعد القاء مداخلتي عنه، جلست الي جنبه وهمست : بدل ان نذهب لامريكا جاءت الينا، فهل في علاج عينيك أمل؟ .ابتسم بهدوء وقال: ننتظر ونري. وانتظرنا ورأينا، انهم جاؤا من اجل مصالحهم الخاصة، والذين عاونوا المحررين، كانوا اشد تعاسة ومرارة علي الشعب العراقي، فلم يعرفوا الا مصالحهم ومكاسبهم الخاصة، وكما كتب تحسين كرمياني "مات محيي الدين زنكة، تاركاً حسرة كبيرة في قلبه، حسرة عدم إعطاءه (فيزا) كي يعالج شبكية عينية". في كل الزيارات التي كنا نذهب بها الي بعقوبة، في المناسبات التي كان يقيمها فرع اتحاد الادباء في ديالي فعالياته، كنا نزور ابو آزاد في بيته، وكذلك عندما كرمته جامعة ديالي، او الندوة التي اقامها الفرع تكريما له، او عندما التقينا به حين حضر تكريم فرع الاتحاد في ديالي الفنان والكاتب خسرو الجاف، وكان صباح الانباري يطلعنا علي آخر مستجدات ما انتجه الراحل، فقد جند وقته وابداعه وفاءً لاستاذه فبحث في كل شاردة وواردة في ادب وفكر وحياة محيي الدين زنكنه، وحلل وفسر وقيم وفهرس، وكشف مواقع الابداع في ادب محيي الدين زنكنه، فكان بحق التلميذ النجيب والابن الروحي لهذا المبدع الرائع، وعلي الرغم مما قامت به جامعة ديالي من تكريم للمبدع الراحل، بالندوة التي اقامتها عام 1999-2000 بعنوان (محيي الدين زنكنه اديبا) قدم فيها د. فاضل التميمي ود.وليد شاكر نعاس وصباح الانباري وسعد محمد رحيم، بحوث في ادب الراحل ثم اعقبهم المحتفي به ليتحدث عن تجربته، الا ان الناقد فاضل التميمي، كان يطمح لاكثر من ذلك، عندما اسر لنا بانه قدم اقتراحا لجعل جائزة باسم محيي الدين زنكنه، لكن كل ما كنا نتمناه ضاع مع الاحتلال الذي جاء به المحررون، وعز عليهم منحه ما ظل يتمناه وهو علاج عينيه ليستمر بنفس النهج والقوة علي القراءة والكتابة والمواكبة، والآن بعد ان غادرنا جسدا، وظل معنا روحا وفكرا سيصبح مزادا من اجل ابراز وجودهم الخائب للكسب علي حساب ابداعه، فهل يعذرنا آزاد ان قدمنا التعزية الي من حفظ مكانة هذا المبدع الرائع ابا واستاذا، ودرس مكانته الادبية والفكرية واثرها في الادب المسرحي العراقي والعربي في حياته، ليس مزايدتة اوتحصيل مكسب، انما ايمانا حقيقيا منه، بابداع محيي الدين زنكنة، الذي فاق من تابع ابداعه في التكريم، وابدع في التعميم وكان قدوة لمن يحترم الثقافة والمثقفين في حياتهم قبل مماتهم، بروح الاثرة والتضحية. لقد ظل الكثير عصي عليهم فهم محيي الدين زنكنه، وفيما كتبه صديقه زهدي الداوودي يوضح لنا جزء مهم من شخصيته " انه كان يحب العزلة ويبتعد عن مماحكاتهم التي يعتبرها صبيانية، كان يختفي برهة كي يظهر من جديد كما لو انه جاء يقدم عربونا للوفاء والاخلاص " وما اكده الناقد فاضل عبود التميمي " كان محيي الدين زنكنه في سنواته اليعقوبية، يعيش عزلة مبدعة لم تمنعه من الاختلاط بادباء المحافظة ومثقفيها، فقد كانت علاقاته الادبية والاجتماعية تمتد الي العشرات منهم ... لكنه كان محييرا للكثيرين ممن كانوا لا يفهمونه لا سيما الذين لم يقرؤا ما كتب، او كانوا علي مبعدة من افكاره وتصوراته الادبية والانسانية ". واذا تصفحنا ما ناله الراحل من النظام الدكتاتوري السابق من جوائز وهو كما كان معروفا عنه ضد النظام السابق فكريا، و نقارن بما قدمه المحررون بعد الاحتلال، خلال سبع سنوات، تكريما لهذا المبدع الفذ، سنجد المفارقة كما تشير سيرته الابداعية المنشورة في هذا الملف.

 

 

    زنكنه .. هل مات آخر الرجال؟........................................ حسين التميمي

 

 

-8-ايلول

حسين التميمي

بلغني نبأ وفاة الصديق والأخ والأستاذ محي الدين زنكنه اثر اتصال هاتفي من صديق، بعدها توالت الاتصالات من أصدقائي الأدباء، وهم يكررون على مسامعي الخبر المؤلم، كأنما هم قد اتفقوا بينهم- دون قصد- على حرماني من لحظات خلوة كنت ارغب بها محاولا التعايش مع هذه الحقيقة المرة القاسية، بكل قسوتها وصوتها الفجائعي، وأيضا كنت كما حدث عند رحيل صديقي مؤيد سامي الشهيد المغدور..أفكر بأن الخبر يمكن أن يكون كاذبا وانه مجرد دعابة سمجة من احد الأصدقاء، فكيف لرجل مثل (أبو آزاد) أن تغافله أزمة قلبية؟ هكذا ببساطة هذا القلب الكبير يتوقف؟ّ! وأن يترتب على توقف هذا القلب توقف الجسد..توقف الرأس!! هذا الرأس الذي طالما أنجب الكثير من الأعمال الخالدة، هذا الرأس الذي كان يجيد التفكير واتخاذ المواقف الصعبة في ظل نظام استبدادي استمال الكثير من الأسماء الكبيرة والصغيرة وافلح، لكنه مع زنكنه فشل، وهو لم يفشل فحسب بل استغفل حين نشر زنكنه مسرحية (شعر بلون الفجر) تلك المسرحية التي سخر بها من الدكتاتور مرتين، مرة حين استطاع أن يمرر كل انتقاداته ورفضه من خلال النص ومرة أخرى عندما استطاع أن ينشر هذه المسرحية ضمن الإصدارات الحكومي .لعل من اغرب المفارقات التي اكتشفتها بعد عام 1999 حين توثقت علاقتي بهذا الكاتب المسرحي الكبير، أن لديه حس مميز في التقاط المواقف الطريفة والتعليق عليها بطريقة ذكية تجعل من يستمع إليه يكتشف صورا أخرى أكثر جمالا وغرابة، وليس هذا فحسب بل كان زنكنه يجيد صناعة الطرفة ويسخر من كل شيء – حتى من نفسه أحيانا- دون أن يحط من قدره واحترامه لدى الآخر، واذكر وقتها أنني كنت أتحدث مع بعض الأصدقاء من الأدباء والمثقفين عن هذه الأمور، ولم تكن تعابير وجوههم تدل على تأييد كبير لملاحظاتي تلك، لكن احد الأصدقاء المقربين من زنكنه أزال اللبس في هذا الموضوع حين أكد لي بأن الأخير لم يكن يتبسط ويتواضع في الحديث إلا مع من يشعر معهم بالطمأنينة والثقة، وهؤلاء كانوا قلة في ذلك الوقت. زنكنه أيضا لم يكن يسمح لأي كان – مهما بلغ رصيده من الكتابات- أن يزوره في البيت، إذا لم يكن هو مقتنعا بأن هذا الكاتب يستحق الاحترام والتقدير، واذكر أن احدهم قال لي قبل أكثر من ربع قرن أن علاقة وثيقة تربط بينه وبين زنكنه وانه كان يتردد عليه في البيت، وبالغ بالافتراء فوصف لي صومعة أو مكتبة زنكنه، لكن حين توثقت علاقتي بالكاتب الكبير ورأيت مكتبته، لم أكلف نفسي عناء السؤال عن حقيقة ذلك الدعي وأكاذيبه.زنكنه الإنسان والكاتب والأديب والمثقف، كان يدهش من حوله بآرائه وطروحاته المقتضبة الشافية الوافية، و زنكنه (الرجل) أيضا، في زمن ندر فيه أن تلتقي بإنسان يحمل معاني الرجولة والثبات على الرأي، رغم كل المخاطر والتهديدات(الخارجية) ورغم كل الخيانات التي كان الجسد يرتكبها بحقه، من أمراض مزمنة أو مؤقتة ،ومن تعب ووهن أصاب العين حتى أوشكت أن تنطفئ، ويعلم كل أديب ومثقف معنى أن تصاب العين وهي أفضل نافذة يطل من خلالها على الحروف والكلمات والصور وكل ماله علاقة بتواصله مع العالم الخارج . زنكنه كتب الكثير من المسرحيات وعرف بوصفه من أفضل المسرحيين العرب الذين يعدون على أصابع اليد الواحدة، وقد استمر عرض بعض من مسرحياته لعدة سنوات في العديد من الدول العربية ومنها الكويت التي عرضت مسرحيته (السؤال) .زنكنه عرف أيضا في أمريكا حين عرضت مسرحيته اليمامة وعرف في دول غربية أخرى، لكن ورغم إنتاجه الوفير والغزير في مختلف مجالات الأدب، ورغم ترشيحه لجائزة (العويس) إلا انه كان من أكثر الأدباء بعدا عن الأضواء، فلم يسوق لنفسه، ولم يحرص على أي شهرة أو ذيوع وانتشار، بل كان يهرب أحيانا من الشهرة، ويمتنع عن إجراء اللقاءات الصحفية، ويتابع كل ما يقال عنه، ويعاتب أصدقاءه بقسوة أحيانا إذا ما نقلوا عنه آراء وتصريحات غير دقيقة، وربما هذا ما دفع الكثير منهم إلى وصفه بالحازم والمتشدد..أو غيرها من الأحكام السريعة، لكن اذكر أن هذا الرجل الحازم والمتشدد، حضر عرضا لأحدى مسرحياته على مسرح قاعة الوفاء في مدينة بعقوبة، وكان الجو ممطرا فلم يحضر العرض إلا خمسة أشخاص، فقرر المخرج إلغاء العرض، لكن زنكنه وقف في تلك اللحظة ونظر إلى الأشخاص الخمسة وملابسهم تقطر ماء، ثم وجه كلامه إلى المخرج قائلا: هؤلاء أفضل عندي من مائة متفرج يأتونني في جو صحو معتدل، واضطر الجميع إلى الرضوخ لرأي زنكنه، وفي عمان وبعد ربع قرن تقريبا حدث موقف أخر بينه وبين الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي، حين رفض الأخير جلوس شاب مثقف ضمن المجلس الذي كان يجمع البياتي وزنكنه وعدد من المثقفين، ووقتها كان الجميع يتعامل مع البياتي بوصفه الشاعر الأكثر سطوة والذي لا ترد له كلمة، فما كان من زنكنه إلا أن وقف مع الشاب(وقد اقتنع بصحة موقفه رغم حداثة سنه) وقال للبياتي الشاب لم يخطئ وإذا غادر المكان فسأمضي معه، فما كان من البياتي إلا أن رضخ لزنكه، وقد أثار هذا الحادث في وقته دهشة كل الأدباء والمثقفين الذين كانوا يعرفون جيدا أن البياتي لم يقل كلمة يوما ويرجع عنها مهما حد .إذن كان زنكنه خليط عجيب غريب من البساطة والتواضع والقوة والثبات على الرأي والالتزام والثقة بالنفس، وقد استطاع من خلال هذه الصفات وغيرها، أن يحظى باحترام الجميع- حتى أعدائه- او من اختلفوا معه فضلا عن تلاميذه وأصدقائه....زنكنه الذي ولد في كركوك وعاش لأكثر من ربع قرن في مدينة بعقوبة، كان العديد من أدباء ديالى وربما أناس من مدن أخرى يعتبرونه من أبناء أو أهالي ديالى، ويؤكدون انتماءه إلى مدينتهم بقوة، والرجل أيضا اضطر إلى الإقامة في السليمانية مع بداية تردي الوضع الأمني في ديالى، وصار التواصل بينه وبين أصدقائه يتم عبر الهاتف أو بعض الزيارات السريعة، لكن لا احد كان يفكر بأن يفاجئنا زنكنه ويرحل سريعا قبل أن تستقيم الأمور ويعود الأمان والاستقرار التام إلى ديالى كي تستعيد ديالى أهم رمز من رموزها الأدبية، إذن القدر حال بيننا وبين أن تتحقق هذه الأمنية .ثمة سؤال أخير يراودني منذ أن وصلني الخبر المفجع: ترى هل رحل زنكنه؟ هل مات..حقا؟! لكن وجه أديبنا الكبير يطل علي بملامحه الهادئة التي تمنح من يراها إحساسا كبيرا بالراحة والاطمئنان، فلا املك إلا أن أقول أن التراب ربما استطاع أن يغيب جسد زنكنه، لكن عندما سأطالع أي مؤلف من مؤلفاته، أو استذكر رأيا من آرائه أو حتى ملاحظة مقتضبة، فان زنكنه سيعود حيا مرة أخرى، إذن زنكنه سيبقى حاضرا معنا، زنكنه سيكون خالدا، وسيسخر من الموت مرة أخرى على طريقته، وسنواصل حديثا كنا بدأناه معا، وبيديه الكريمتين سيطلق يمامته في صراخ الصمت الأخرس، كي تحلق عاليا بحثا عن فضاء للحرية.

 

 

    رسالة مفتوحة الى الكاتب و المسرحي الروائي الكبير محي الدين زنكنه ... مقداد مسعود

 

أستاذي الجميل ئاسوس ميدي



محبتي وأعتزازي

منذ عشر سنوات ،لم تشرق علي شمس وجهك .. والعجيب انني لم ارك في مهرجانات مربد مابعد السقوط وفاتني ان أسأل النصير (آشتي )عنك لم أسأله في مهرجان المربد لكنني في السنة الماضي في مهرجان حركة المقاتلين ألأنصار وهم يشرفونني شرفا كبيرا فقد طلب مني أخي الكبير الشاعر ألفريد سمعان أن أكون عريف حفل الجلسة الشعرية ألأولى قدمت فيها الشاعر موفق محمد والشاعر كاظم الحجاج والشاعرة آمنة عبد العزيز..وقد تزامن ذلك مع نهاية مهرجان الجواهري فأنتقلت الشاعر موفق محمد والشاعر كاظم الحجاج وأنا الى ضيافة حركة ألأنصار...ما أن انفردت بالنصير (آشتي) ومن يتعرف على آشتي لايمكن ألأ يحبه لما فيه من شفافية المقاتل الثوري من تواضع جم...يا أستاذي الجميل سألت آشتي عنك فعرفت انك متعب بعض الشىء..لكنه طمنني عنك حملت آشتي قبلتين مني لك ...وفي صبيحة اليوم الثاني من المهرجان وانا انفرد بأسمين كبيرين لم يعرفا أستراحة المحارب اعني المناضل البطل كريم أحمد والمثقف الأنصاري البرفسور كاظم حبيب ..سألت أبو نريمان /المناضل كريم أحمد عن احوالك فأكد انك بخير....

*الجميل ئاسوس ميدي

العجيب يا أبا آزاد.. لم ارك في مهرجانات مربد مابعد سقوط الطاغية؟او مهرجانات الجواهري؟ ملتقى القصة العراقية في بغداد ؟ كنت في شوق لرؤيتك ولمحاورتك كنت أتمنى لقاءا حميميا بيننا مثل ذلك اللقاء وان نكون نحن الثلاثة وربما سنكون أكثر...

يا أبا ازاد اذا انتم في الشمال قد حصدتم بهجة المتغيرات منذ أنتفاضة 1991 فنحن مانزال في حلم يقظة بألأبيض وألأسود..المتغيرات:مرتجى مؤجل ..وتنافس السلحفاة في سيرورتها..وأعظم ما أخشى اننا آلآن نعيش ونمثل مسرحيتك النبوئية(كاوه دلدار)،الصادرة عام1989/بغداد..حيث يصيح صوت فينا(لاتخلطوا بين ضحاك ماقبل التاريخ وضحاك القرن العشرين قرن ألأنجازات العلمية والنزعات ألأنسانية والحركات الديمقراطية../ص47)..أي نداء ديموغاجي/مظلل يوجه للجماهير ذلك الخليط غير المتجانس التي حذرتنا منه الفيلسوفة (حنا أرنت) ؟

وهكذا تتحول الجماهير الى ابواق وطبول بين يدي ضحاك :قوة الملاكم/جسد الراقصة /خوف الكهل ..

بأستثناء تلك الفتاة التي تهمس فتاها وهي ترى الملاكم يحطم قرص سمفونية سبارتكوس للموسيقار العظيم جاغودريان تلك ألأسطوانة التي اشتريت أنا نسخة منها مكونة من ثلاثة أشرطة كاسيت أشتريتها من شارع الجمهورية في كركوك عام 1978:(لاأثق بمن يبغض الموسيقى /ص51)..هكذا تهمس الفتاة فتاها.

على يد ضحاك ومن خلال منظور الدهاء يبدأ تزيف التأريخ فالضحاك عبد صالح وليس طاغية

أستاذي ورفيقي محي الدي زنكنة:ما أن انهيت صلاتي ..حتى همستني زوجتي وهي تشير الى شاشة التلفزيون: خبر مو حلو..:في الشريط ألأخباري لفضائية الشرقية...

ثم عرفت منها انك قبل قليل أشعلت شمعتك ألأولى ..جوار شمعة الناقد محمد مبارك والروائي مهدي عيسى الصقر ومبدع القصة القصيرة العراقية الكبير جليل القيسي وو....

لم أقل شيئا..تمتمت زوجتي:( يرحمه الله،قبل يومين ،كنت تحدثني عن روايته ئاسوس...) ..فعلا قبل يومين اندفعت بشوق بحثا عن رواية ئاسوس لأعيد قراءتها للمرة الثالثة..كانت القراءة ألأولى شتاء 1977،سنة صدورها وقراءتي الثانية 1989..لم اجد الرواية وجدت مسرحياتك المهداة لي والتي أستلمتها من أستاذنا العابر ألأستثنائي محمود عبد الوهاب في حزيران 2002،هل تلطف الحدس بي ،كم يكلفني هذا الحدس اللعين ،دائما ؟انا ابحث في مكتبتي..وروحك الجامحة كانت تبحث عن منفذ لعروجها..

وقبل ان تكمل ...اعلن موبايلي عن أستلام رسالة من الشاعر ابراهيم الخياط ( ينعى أتحاد ألأدباء الكاتب محي الدين الذي توفي اليوم في السليمانية ) كتبت تعزية جوابية للعزيز الشاعر ابراهيم الخياط.

ثم جلست لأقرأ القرآن...على روحك الطاهرة...

أقرأبصوت خفيض ،صار صوتي رطبا ثم تحول الى مادة سائلة ساخنة ...(هذا فراق بيني وبينك...سأنبك بتأويل مالم تستطع عليه صبرا..): اتوقف عن تلاوة القرآن :اطوي القرآن اقبله....أغادر البيت ،أجلس في الحديقة ،فأراني في ممر فندق المنصور ميليا ،عام 2000،العابرألأستثنائي الجميل ،أستاذنا محمود عبد الوهاب وانا قاصدين غرفتنا،يخاطبني أستاذ محمود ،سألني عنك أبوأزاد ،حين دعوته الى غرفتنا هذه الليلة،طمنته....

تلك الليلة ..ياأستاذي كانت من أجمل الليالي بالنسبة لي،ليلة حوار ثقافي رشيق وشفيف ، يدور بيننا نحن الثلاثة:أستاذان :محمود عبدالوهاب برقته وعذوبته

وانت يا اديبنا العراقي الكبير محي الدين زنكنة ،..و ..أنا تلميذكما ..تحدثنا عن الثقافة والعلاقات بين المثقفين وألأجناس ألأدبية ،وحدثتك بدوري عن روايتك الجميلة ئاسوس،وكيف أصبحت في أوائل السبعينات ضمن التثقيف الجماعي في منظمات الحزب،وكنت انا شخصيا مسؤولا عن تجميع أثمان روايتك وأثمان الموسوعة الصحفية للصحفي الكبير(فائق بطي)..كنت تبتسم وتصغي ثم قهقهت حين أخبرتك ان البعض لم يدفع الثمن فأضطررت ان اسدد من جيب طالب ألأعدادية الذي كنته... حدثتني عن كيفية كتابتها وحدثتك بدوري عن جبل ئاسوس الذي عرفني كجندي مكلف ... سألتك سؤالا لم تتوقعه في البدء(من هو سعيد نفطجي) ،أبتسمت في وجهي أبتسامة أستفهام ،أعدت عليك السؤال :من هو سعيد نفطجي؟وكم تحبه حتى تهديه مقالتك الصادرة في مجلة ألأقلام عن الكتابة؟ أبتسمت أبتسامة لتستعيد مافي ذاكرتك:فعرفت دور هذا الرجل في وعيك السياسي والثقافي..

ليلة رشيقة وعذبة وحديث لاينتهي الضوء فيها..

بعد فطور اليوم الثاني،سألتك عن(كتابات تطمح أن تكون قصصا)الصادرة عن 84 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر/بيروت ...

.. صمت قليلا ثم أجبتني:هي محاولة لكتابة القصة بطريقة جديدة لاأزعم أني نجحت لكنني حاولت مغادرة هذا الشكل الذي ضقت به وضاقت القصة القصيرة أيضا..ثم استمر الحديث حول هذا المنوال،الى ان سألتك :ان الكاتب المسرحي فيك كان ينافس الروائي وانت تكتب رواية (ئاسوس)..قبل ان تجيب سألتني:مقداد ..صحيح ان(ئاسوس)ضمن قائمة التثقيف الجماعي

كانت في تنظيماتكم في البصرة؟ وحين أكدت لك ذلك رأيت البهجة تغمر وجهك الصارم بضوئها

تمشينا خارج الفندق..قلت لي سأرسل لك من كتبي بيد أستاذ محمود...

وها أنا آلآن في 21/آب /2010 وشمعتك آلآولى آلآن أشعلتها انت في الشاطىء الثاني..أنبش مكتبتي..بحثا عن عطاياك الكريمة ،فأعثر على: (كاوه دلدار) مسرحيتك المنشورة عام 1989/

ألى أخي الشاعر والناقد مقداد مسعود وهو يحاول ألأنتصار على مافي عينيه من حزن ...من خلال الكتابة



أخوك

م.زنكنة/حزيران/2002




*ئاسوس ميدي :أسم مستعار استعمله محي الدين زنكنة ،حين نشر ،مسرحيته الجنزير/في مجلة (يه يقين – الحوار العربي-العدد7-

 

 

    التماهي مع البطل .......................................................... منير العبيدي

 

 

الظلم والفقر اللذان عانا منهما ابطال محي الدين زنكنه، صاحَبَهُما منه قدرٌ كبير من التماهي، التماهي  بين الكاتب و الشخصية ـ الصانع والمصنوع. فصاحَبَ محي الدين زنكنه دائما شعورٌ ملازم بوطأة ظلم حقيقي وهو الذي لم يضع فاصلا بين مصيره الشخصي ومصير عامة ابطاله، فأبطاله، بشكل ما، هو نفسه أو محيطه أو الناس الذين انحاز لهم.

محي الدين زنكنه

لم يطرح محي الدين زنكنه على نفسه مسألة الخلاص الشخصي وانقاذ الذات ضمن المأساة العامة المتفاقمة، لم يسعَ إلى الخروج ظافرا بتكريس الشهرة والمهارة، ربما بقليل من المهادنة أو صرف النظر. لم يكن يتطلع الى الا الى الخلاص العام الذي بدا بمرور الوقت ابعدَ منالا مما كان عليه أكثر من أي وقت مضى، خصوصا لدى ثوريي الخمسينات من الذين كان محي الدين واحدا منهم (أعتقل في الستينات بتهمة الشيوعية)، أولئك الثوريين الذين انطوت منظومةُ أفكارهم وسلوكهُم دائما (رغم ما بشّرَ به ميكافيللي) على قدر من الاخلاق اكثر مما انطوت على  قدر من السياسة  بتبريراتها المخزية، الثوريين من الرعيل الأول من الذين خالطت ثوريتهم رومانسية متفائلة، رومانسية وتفاؤل قد يبدوان مؤشرين لحالمين ساذجين. على أن هذا الحلم بسذاجته البادية التي اشاعها المحبِطون، كانا مصدرا مهما للالهام الابداعي والتبشير بعالم نتمناه حتى وان لم نكن قادرين على تحقيقه.

قوة المثال وصفاءه قد يكونان مفصولين عن الواقع، في الصراع البربري على المال والسلطة، ومتغربين عنه، على الأقل لبرهة ما، لكنهما في الوقت نفسه يمتلكان القوة لتحقيق الذات جزئيا أو كليا، عاجلا او آجلا، حين يبدو بعد حين أن الكثير من الاحلام " الساذجة" المستحيلة بعالم أكثر عدلا تسير سيرها الحثيث نحو التحقق والاكتمال، فتغيير العالم يبدأ دائما بحلم.

ربطُ المصير الشخصي بالمصير الجمعي، الاغتراب عن السلطة بكافة اشكالها، التعفف وعدم المهادنة في التعامل مع الادعياء والمتملقين، أرهق جسدَ وليس روحَ هذا الجيل، وهذا هو الشيء نفسه الذي ارهق قلب محي الدين زنكنه، فبدت عليه علائم الشيخوخة قبل الأوان بكثير وارهقت قلبه حتى رحيله.

الحصار والثقافة

جلب لنا الحصار في عراق التسعينات، نوعا من " توزيع الفقر" (أستعير هنا وصف ماركريت ثاتشر للاشتراكية بتصرف). في هذا الظرف كانت لقاءاتنا في بعقوبة تجري تحت اعين السلطة ومراقبتها وقد رأى صديقُنا المشترك الدكتور فياض أن السلطة كانت تسلط فوق رؤوسنا هراوة خرافية، ولكن هذه الهراوة نكست نحو الارض لبرهة رغم انها كانت دائما موجودة ومرئية، فهذا الحصار الجالب للفقر قد جلب معه عدا ذلك تفككا لسلطة الدولة وتراخيا في قبضتها الفولاذية بعد أن رأت أن مجاميع من المثقفين لا يشكلون شيئا امام التحدي الاكبر الذي بات دوليا واسع النطاق، ويحمل نُذُرَ صدامٍ عسكري واسع وعاصف، في اعقاب الهزيمة المخزية في حرب الكويت، و بعد أن رأت، ربما، أن هامشا من الحرية بات افضل من الكبت للحفاظ على سلطة بات تتوفر على كل عوامل التفكك.

ففي أحد اللقاءات التي تكاثرت حينها قال أحد المثقفين المتملقين لرأس السلطة: "سيدي" هناك جهات تستنسخ و توزع الكتب الممنوعة، أجابه نحن نعرف ذلك و قد سمحنا به.

هذا هو نوع من الانفتاح المحسوب والمقنن الذي يجب أن لا يترك أي مجال لسوء الفهم، فيفسر خطأ على انه ضعف أو تغيير في النهج. فالسلطة لن تضيع الجهود التي بذلتها من أجل ترسيخ صورتها كسلطة مخيفة. ولكن انتفاع المثقف من الانفتاح ينصرف ليس فقط إلى دوافعة بل قبل كل شيء الى نتائجه، فقد اصبح بالامكان الآن قراءة العديد من الكتب التي لم تكن متاحة في أي وقت مضى، منها كتاب حنا بطاطو عن الحركات الاجتماعية والحركات الثورية في العراق ومذكرات لقادة سياسيين معروفين عملوا في أحزاب معارضة وروايات لم يكن من الممكن السماح بها علنا مثل "الخلود" لميلان كونديرا وكتاب حروب دولة الرسول للسيد القمني وغيرها.

يسعى بعض المثقفين، أخص بالذكر "مثقفي الخارج"، الى الغاء الحياة الثقافية في عراق التسعينات لاسباب سياسية بحتة دون مسح ثقافي، ولا يرون أن الثقافة من الممكن ان تتواجد رغم السلطة و ليس دائما بفضلها، وأن استمرار المبدعين في ابداعهم ليس تزكية لأية سلطة، فالاعمال الابداعية لرسامي المدرسة التعبيرية قد تواجدت وشقت طريقها رغم انها صُنّفت، في زمن النازية، على أنها "اعمال منحطة" كما ابدع كتاب وفنانون سوفييت في زمن ستالين اعمالا لا يمكن شطبها.

وهكذا نشطت الكثير من الفعاليات الثقافية كالمعارض والمسارح والاماسي والاصدرات. كان المثقفون في مسيراتهم نحو المزيد من حرية التعبير يتوجسون رد فعل السلطة التي لا يمكن التنبؤ بتوقيت ومدى غضبها. لعبة جر الحبل كانت مستمرة بهدوء وتوجس من الطرفين. فخرجت علينا في تلك الحقبة اعمال مسرحية لا يمكن تجاهلها بل انها شكلت مؤشرا هاما في التاريخ الثقافي العراقي فقدمت للمسرح أعمال مثل: " تكلم يا حجر " و " الاشواك " و " لمن الزهور؟ " ثم المونودرما الرائعة " مساء السلامة ايها الزنوج البيض" لمحي الدين زنكنه، وهذه الاخيرة قدمت على منتدى المسرح أو ما عرف بالمسرح التجريبي وقد ابدع في تمثيلها صباح الانباري الذي طالما اعتبر محي الدين زنكنه اباه الروحي وربطته به علاقة مميزة وكتب عن الكثير من اعماله  .

منتدى المسرح

و هنا اجد ان من المناسب أن لا يمر عابرا ذكرُ المسرح التجريبي الذي لعب دورا كبيرا في الحياة المسرحية العراقية في التسعينات على وجه الخصوص وقدم اعمالا عديدة منها اعمال لمحي الدين زنكنه، ولهذا المسرح مزاياه الخاصة تماما ما اضفى عليه شعبية كبيرة لدى اوساط المسرحيين وعشاق المسرح.

 منتدى المسرح أو المسرح التجريبي هو بيت بغدادي قديم، عمارته هي عمارة بيوت العوائل البغدادية الموسرة ومنها العوائل اليهودية (ربما كان هو نفسه ما عرف بقصر شعشوع) تقع حديقته على شاطيء دجلة، اما "خشبة المسرح" فلم تكن سوى باحة البيت " الحوش " الذي تحيط به ثلاثة طوابق من الغرف العديدة على شكل مربع كبير، مفتوحٌ وسطُها نحو السماء و قد غطيت بما يمنع المطر. تجري احداث المسرحيات في الباحة و يحيط الجمهور بها على شكل نصف دائرة، يبدأ الخط البعيد لجلوس الجمهور (الذي هو بضع عشرات) عاليا قليلا ثم ينخفص حتى يجلس متفرجو الخط الاول على الارض ويكون مستوى " خشبة" المسرح ادنى من مستوى الجمهور. وقد استخدم الشكل الفريد لهذا المسرح في كثير من الأحيان بطريقة ابداعية، فالكثير من الاصوات والاضاءة والحركات تصدر من الطوابق العليا للمنزل القديم المعتم وينزل الممثلون من السلم الضيق المقابل للجمهور بديناميكية متفردة.

هناك ثلاثة امثلة مميزة على الاقل في الاستخدام الابداعي لهذا المسرح بكل خصائصه الاستثنائية جاءت في المونودراما التي مر ذكرها لمحي الدين زنكنه: " مساء السلامة ايها الزنوج البيض" من أخراج سالم الزيدي واداء صباح الانباري، وكانت المسرحية مما يمكن ان يوصف بـالـ (atmospheric )  وهي الاعمال الفنية  التي يلعب فيها الجو دورا هاما. تدور احداث المسرحية في قبو في يوم ممطر  وقد خدم جو البيت والاداء التمثيلي المميز لصباح الانباري الشكل العام للمسرحية فارتقت الى مستوى النص الذي كان أصلا من النصوص المميزة لمحي الدين زنكنه كنص مقروء.

ثم مثال ناجي عبد الامير في إخراج ثانٍ لنص دزدمونه ليوسف الصائغ. شغلت احداث المسرحية مساحة عمودية غير مألوفه في المسارح التقليدية حيث يكون اشغال المساحة في العادة افقيا.

والمثال الثالث هو مونودراما رائعة أخرى كتبها جليل القيسي واخرجها الراحل قاسم محمد ومثلها رائد محسن " انا مع من و ضد من ؟ " تمثل رحلة دينار في جيوب لمالكين مختلفين.  

و قدم غانم حميد للجمهور على مسرح الرشيد ثم على المنتدى " انا ضمير المتكلم "  اعدادا واخراجا وتميزت المسرحية بالجرأة في تناول المأساة العراقية حيث صورت كوابيس جندي عراقي يخوض مكرها في أهوال الحرب وقد تنقل في كوابيسه مسترجعا القهر من والده مذ كان صغيرا ثم من معلمه حين بات تلميذا ثم من آمريه حين خدم في الجيش في ظروف الحرب.

و أخرج العلم المسرحي البارز ابراهيم جلال "دزدمونه" ليوسف الصائغ، سبق فيها اخراج ناجي عبد الامير لنفس المسرحية.

و كانت ثمة طبعا العديد من الاعمال المسرحية المميزة التي لا مجال لذكرها هنا.

بين النص و خشبة المسرح

كان محي الدين زنكنه يعطي مسودات مسرحياته لبعض القريبين منه لقرائتها، وقد ذكرت ذلك الكاتبة فاطمة العراقية التي طالما استضاف بيتها وزوجها الراحل عبد الاخوة التميمي العديد من المبدعين ومنهم محي الدين، و قد وافقني الرأي حين أشرت الى انه يشترك سلفا في إخراج المسرحية وهي ما زالت نصا مكتوبا، خصوصا بعد قرائتي لمسرحية "كاوه دلدار" فيحدد الكثير من التفاصيل التي تخدم جوها وحركة الممثلين، ولذا كانت نصوصه المسرحية تقترب من قصصه ورواياته تثير الإهتمام كنصوص مقروءة قبل ان تتاح الفرصة لمشاهدتها على خشبة المسرح، فيما جعل ذلك بعضا من المخرجين كعوني كرومي يجدون أن بوسعهم الاستغناء عن بعض التفاصيل في النص من التي تهم القارئ اكثر من المشاهد.

تعامل محي الدين زنكنه مع مسرحياته على أنها ذات وجهين، أحدهما للقراءة والآخر للتمثيل على خشبة المسرح، فتعامل مع الموضوع بمرونة ووافق على التعديلات التي رأى ان بالامكان القيام بها على النص الممسرح، لكنه في الوقت نفسه كان يدرس اقتراحات الحذف أو التجاوز بتروٍ وبعنايةِ من لا يرغب بالاضرار بانسيابية البناء الدرامي، وقد تعرفتُ على اسلوبه هذا خصوصا في مصاحبتي له في التدريبات التي جرت على مسرحية "تكلم ياحجر"، فقد كان يقبل أو يعارض اختزالات النص بتمحيص، كما كانت المناقشات تعكس جو التعاون البنّاء في اخراج المسرحية الى الجمهور بأفضل شكل ممكن بينه و بين سامي عبد الحميد.

ورغم أن محي الدين زنكنه كان يضع حدودا صارمة على نفسه وبالتالي على شخصياته، أو العكس، فيسقطَ على نفسه قيمَ أبطاله والتزاماتِهم، أو ربما من الاصوب أن أقول أنه كان يدمج كلا مساري التفاعل معا في جدلية التأثير المتبادل بين المبدع وابطاله، فيحتم على نفسه بناء النص بناءً لا تساهل فيه ولا مهادنة، إلا انه لم يكن متزمتا في تعامله مع المخرجين الذين تعاملوا مع نصه الممسرح لانه كان يدرك أن المسرحية، على خلاف النص، هي عمل مشترك يمثل لقاءا بين رؤيتين: المؤلف والمخرج، وليس عملا فرديا كما النص المكتوب.

وهو لا شك ادرك طرفا آخرا ينبغي مراعاته في حالة "النص على الخشبة"، وهذا الطرف هو الجمهور، وهو الذي يختلف الآن عن الجمهور الذي يقرأ النص، فقارئ النص لا يكون محددا باطار زمنى وبوسعه مواصلة القراءة في أي وقت يشاء ولكن جمهور المسرح محدد باطار زمني وينبغي مراعاة توزيع عناصر الشد على الوقت، وتوقيت الذروة الدرامية، لكي لا يعاني العمل من الركود.

بين الادب والمسرح والتشكيل

 وقد توازى مع النشاطات المسرحية و سبقها نشاطٌ تشكيليٌ غيرُ مسبوق وازدهار في افتتاح القاعات التشكيلية الخاصة ومعارض مهمة أقامها أو شارك فيها محمد مهر الدين، رافع الناصري، ارداش كاكافيان، على طالب، اسماعيل فتاح الترك، محمد عارف، اسماعيل الخياط ، كريم رسن، فاروق حسن، هاشم حنون، ليلى العطار، سعاد العطار، وليد شيت، سميرة عبد الوهاب، جميل حمودي، شاكر حسن آل سعيد، محمد تعبان ، نوري الراوي، وداد الاورفلي، سلمان عباس، وغيرهم من الفنانين الذين لا يتسع المجال لذكرهم جميعا، كما شهدت بغداد معرضين استرجاعيين ضخمين لخالد الجادر اشرف عليه ونظمه أخوه وليد الجادر.

وتخطى الشعر والنثر أدب مرحلة الستينات المميز واستجاب لمستجدات الحداثة وغامر في استكشاف مساحات غير مطروقة.

بين الادب والتشكيل

كنت اصاحب محي الدين في المهرجات المسرحية والادبية التي يدعى لها وكان يصاحبني في حضور الفعاليات التشكيلية كما كنا نقضي الاماسي بانتظام في مقر اتحاد الادباء. في معرض نحن والشعراء الذي اشتركت فيه مع ثمانية فنانين آخرين برسم قصائد لشعراء عراقيين وعالميين، كان حضور الادباء والكتاب مميزا فعدا محي الدين زنكنه حضر المعرض عادل كوركيس، فهد الاسدي، سامي الاحمدي الذي ترجم المجموعة القصصية "قبو البصل" عن الألمانية و عبد الاخوة التميمي والعديد من الشعراء.

في مكتبته التي احتلت غرفة في الطابق العلوي من بيته في بعقوبة واحتوت على ألوف من الكتب، كتب محي الدين زنكنه اغلب اعماله. لم تكن علاقته منحصرة بالوسط المسرحي وبالفرق المسرحية في بعقوبة أو بالوسط الادبي فيها، بل كان يتمتع بجماهيرية واسعة بين ابناء المدينة والقرى المجاورة لها، ويلقى منهم الترحيب والاحترام، و بعد حرب عام 2003 تزايدت التهديدات التي وجهت له بسبب سيطرة المجموعات الارهابية على المحافظة فترك المدينة التي احبته وا حبها متوجها إلى السليمانية للإقامة هناك حتى هزها في يوم الحادي والعشرين من آب خبر رحيله وقد ترك في هذه المدينة العديد من الاصدقاء الشاعرين بفداحة الخسارة وسعة الفراغ الذي تركه في الساحة الثقافية العراقية.

لقد اصبح ملحا الان حفظ تراث الفقيد الذي ترك العديد من المسودات والاعمال، ويعكف الصديق صباح الانباري على جهد مشكور لاصدار موقع شخصي للفقيد كان قد شرع به قبيل رحيله ليعلنه مفاجأة له ولكن الموت كان، كالعادة، أسرع. على أن المشروع سوف يستمر حسب آخر مكاتبةٍ عبر الياهو مع الصديق الأنباري المقيم في استراليا من اجل اصدار موقع محي الدين زنكنه الشخصي كخطوة الاولى ربما لاصدار اعماله الكاملة كمشروع حيوي بالتعاون مع افراد عائلته.

منير العبيدي 

 

 

    في رحيل المبدع الكبير محيي الدين زنكنة......................... عبد العليم البناء

 

 

عبد العليم البناء

هذا هو قدر العراق والعراقيين .. ان يتساقط افذاذه ومبدعوه الواحد تلو الاخر فريسة الوجع والحرمان والمرض .. وجاء الدور هذه المرة على المبدع الكبير محيي الدين زنكنة الذي قضى نحبه اثر نوبة قلبية حادة بعد ان لازمه المرض مدة طويلة عن عمر ناهز السبعين عاما .. كان فيها معطاءا بأمتياز يحسد عليه في المسرح والقصة القصيرة والرواية .. تكرس فيها قامة ابداعية يشار لها بالبنان لما قدمه من عطاءات متميزة ومؤثرة وقرينة للهم الوطني والانساني الذي التصق به وبرز جليا في ثنايا وافكار ورؤى منجزه المسرحي والادبي المتميز .. وفوق هذا وذاك فقد كان هذا الرجل متواضعا في كل خطوة من خطوات حياته ولم يصطدم او يسعى لانارة او مجد زائف بقدر ما كان صادقا في نواياه واهدافه وتطلعاته ولهذا وقف كالطود الشامخ في كتاباته وبرمزية عالية لايغيب جوهرها وهدفها عن أي نبيه او حصيف يعرف مبادئ واخلاق ونضال محيي الدين زنكنة هذا الذي رأى كل شيء وتحدث عن كل شيء في مسرحياته وقصصه ورواياته التي سجلت وقائع الكبت والقمع والاضطهاد الفكري والعقائدي والانساني الذي عانت منه مختلف شرائح ومكونات الشعب العراقي ايام الدكتاتورية والطغيان والاستبداد .. لقد رحل هذا المبدع العراقي الكبير وفي جعبته الكثير الكثير من الرؤى والاحلام والمشاريع المؤجلة .. ولهذا فأن الجميع مطالبون بأن يحافظوا على تراثه الواسع وان يستذكروه بكل ما يليق بعطائه وابداعه على شكل مهرجانات وحلقات دراسية وطبع لاعماله الكاملة وانتاج لمسرحياته واطلاق اسمه على بعض القاعات المسرحية والدراسية في معاهد وكليات الفنون الجميلةفي بغداد والمحافظات ..

 

 

    مدينة بعقوبة و آلقها .... محي الدين زه نكه نه .................... صلاح وهابي

 

 

ولد الاديب و الكاتب المسرحي محي الدين زه نكه نه ,في مدينة التاخي كركوك منطقة ساطرلو 1940 من عائلة متواضعة ,من اب كردي و ام تركمانية ,اكمل دراسته الابتدائة و المتوسطة و الثانوية في كركوك ,و في 1958 تم قبوله في كلية الاداب جامعة بغداد . عين مدرسا في المتحتية بلواء الحلة 1962 .و بعد الانقلاب البعثي الفاشي 1963 – و هو اول تخريب لعشه – استطاع الهرب الى كردستان لينضم الى فصائل الانصار. و بعد العفو عين مدرسا في قضاء خانقين 1964 ثم انتقل الى مدينة بعقوبة . و في ثانويتها شكل هرما مع الاستاذ ثامر مطر القادم من المانيا الشرقية مدرسا للاقتصاد ,و استاذ الغة الانكليزية فاروق ابراهيم جامل ,ساهموا في حراك فكري و ثقافي و هذا ما لا تقبله سلطة البعث ,فتم تفريقهم رغم قيام الجبهة . و بعد انتشار وباء الارهاب الاسود في مدينة بعقوبة ,شد الرحال الى كردستان 2006- و هو ثاتي تخريب لعشه الدافئ – بعد ان عاش فيها اكثر من نصف عمره .و هي اخصب فترة تجلت فيها عبقريته و نضجه الفكري و الادبي .و في عصر 21/8/2010 رحل الى مثواه الاخير في مقبرة الشهداء السليمانية .و رغم طيبة اهل السليمانية و جمالها ,و بيت اجمل و رفاه اقتصادي ,الا ان كل ذلك لم يغنيه عن دفء بعقوبة و اصدقائه ,فتم تفخيخه عن بعد . فمجموع مسرحياته المنشورة 37 مسرحية كتب منها 34 في بعقوبة ,ابتداءاً من (الحدباء) 1969 الى عشرة نصوص مسرحية نشرتها وزارة الثقافة 2004. و كتب رواياته الثمان بدءاً من (هم و يبقى الحب علامة) الى (محاولة اقتناص حلم) 1963 ما عدا (ثمة خطأ ما... في مكان ما) نشرها في السليمانية 2009 . و القصتان (كتابات تصلح ان تكون قصصاً) نشرت 1984 و (الجبل و السهل) 2002 .بالاضافة الى قصص و روايات و دراسات ادبية و فكرية و نقدية في الادب الكردي و العربي ,و مخطوطات لم تنشر بعد كل هذه النتاجات الثرة كانت بعقوبة بناسها الطيبين ,الام الحنون في احتضانها له و توفير الدفء لابداعه ,و خاصة اصدقائه المقربين حملوه على طبق من ذهب فانسوه الغربة .و صدق مهدي مراد حين قال :((حملناه كرة ذهبية في صينية)) . حين اتصل بي الصديق ابو ربيع بمغادرة ابي ازاد الى الابدية ,كان الصوت رصاصة اخترقت اذني لتفجر في رأسي كل احزاني . لماذا و في هذا الوقت ؟!! و فيه متسع من الوقت ,و العطاء .لا اعرف لماذا نحن العراقيين مساحة الفرح من الضيق يصعب التحرك فيها ,في حين مساحة الحزن تغطي مساحة الاعراق و اكبر .فلا بد من خطأ ما ...في مكان ما . اخر مرة سمعت صوته بحرارته و طراوته قبل خمسة ايام من رحيله المفاجئ ,بعد ان سلم على الاصدقاء قال (( قرأت اخر رواية لي (ثم خطأ ما ...في مكان ما ) )) قلت :سمعت عنها من ابي مصطفى الشفتاوي قال ((انها طويلة 740 صفحة حين تقرأ الشخوص بداية تنساها نهاية )) . فقلت :ابا ازاد من لديه الوقت و الرغبة لقراءة رواية بهذه الضخامة .فضحك و باسلوبه المازح قال ((مو كردي ,فأنا اتحين الفرصة لاهدي لك نسخة ,اتعلم انني اتصل بكم من خلال كتاباتي )). و لم يدر في خلدي ان اتصاله هذا كان إيذاناً بالرحيل ,و ربما اشارة الى انها الرواية الاخيرة . قال بعض الاصدقاء انك من المقربين له و لم تكتب في حقه ,نعم تأخرت من هول الصدمة ,و لحد اللحظة اكاد لا اصدق لا ارى ابو ازاد ثانية ,فأتخيله و يعصرني الالم فيتيبس المداد في قلمي فالدموع تملأ محاجري .يقول ((تكلم يا حجر)) اقول تكلم يا قلم فقلمي عاجز عن اعطاء الرجل حقه .فهو الصرخة المدوية في ضمير هذه الامة و الزمن المسلح . فجعتك بعقوبة باهلها الطيبين ,كما فجعك العراق و جبال كردستان ,بل و فجع بموتك الضمير العربي و العالمي .قلما قل نظيره دمث الاخلاق كان عنيدا حد السيف بسيطاً حد الفطرة ,لم يكتب ترفاً كان رجلا صاحب قضية ,مخلصاً في الدفاع عنها ,فكان قلمه مبرياً و حاداً ضد الظلم و الفساد اينما كان و في اي وقت حل ,منحازاً للفقراء و المضطهدين و المهمشين ,لم يهادن و لم يثلم قلمه في إذكاء روح الصمود و الوقوف في وجه الطغاة ,في سبيل غدٍ افضل رغم سطوة البعث فتحمل الجوع و الاهمال لان ظل قلمه ناصعاً . استطاع ابو ازاد بقلمه الذكي ,و علو هامته ان يحرر معظم نتاجاته من مقص البعث الحاد , فإنتشرت كاللهب في الهشيم اليابس ليس على النطاق المحلي الكردي و العربي ,بل على طول الساحة العربية ايضاً ,ليحوز على جوائز الابداع الادبي : - مسرحية السؤال :قدمها مسرح السيد درويش 1986 مصر .و قدمتها جامعة الزقازيق 1986 مصر .و حازت على احسن نص مسرحي 75-1976 .و قدمها مسرح (البحر) الجزائر 1987 . وقدمتها فرقة (مسرح الجامعيين) البحرين 1988 . و في انحاء اخرى من العالم العربي . - الاجازة : نالت جائزة النص العراقي 79-1980 .  - مساء السلامة ايها الزنوج البيض :قدمت في المغرب . - العلبة الحجرية : قدمت في المغرب .الرباط 1988 .و عرضت في مهرجان عمان للمسرح العربي 2001 و حصدت ثلاثة جوائز من مجموع جوائز المهرجان الست . - صرخة الصمت الاخرس : قدمت في عمان 1991 .و قدمتها فرقة (رفند) برلين المانيا 1999 - حكاية صديقين : نالت جائزة المؤلف المتميز 1988 في مهرجان المسرح العربي .و قدمت في البحرين- المنامة 1990 . - تكلم يا حجر : نالت الجائزة التقديرية للمهرجان . - ثلاث مسرحيات في كتاب : نالت جائزة احسن كتاب 1994 . - اردية الموت :نشرت في مجلة عشتار –غزة-فلسطين 1996 . - رؤية الملك : نالت جائزة الابداع في الدب المسرحي 1999 . - مسرحيتان : نالت جائزة الابداع في الادب المسرحي 2001 . - شعر بلون الفجر : نشرتها مجلة (به يفين) الحوار العربي العدد 7 -2001 السليمانية بإسم مستعار هو (ئاسوس ميد) . - السفينة : نفس المجلة السابقة العدد 8- 2001 بإسم مستعار (ئاسوس) . فرغم الحضر الصدامي على الادب اليساري و الديمقراطي ,إلا ان اهمية نتاجاته و ثراءها الفكري و الادبي ,دعت كثيراً من طلاب الدراسات العليا لنيل شهادة الماجستير و الدكتوراة ,بإتخاذهم ادب محي الدين زه نكه نه مادة لدراستهم و لا ابالغ ان قلت ان المادة زادت شهاداتهم وزناً . فهو من قلائل الادباء المتميزين و المتفردين احساساً مرهفاً و فكراً ثاقباً و ذكاءاً حاداً و كماً و نوعاً معرفياً ,معجون في اناء من القلق ,يسهل عليه التقاط قفشات من الشارع و الشخوص و الاحداث ,فيمسرحها و يرويها و يقصها فكرا تنويرياً . فالكاتب محي الدين مساحته الاجتماعية لا تتسع للكم ,فهو يتعبد في محرابه و يخرج ليتصل بمريديه .قلت له يوماً : ألا ضيق محرابك يضيع عليك الكثير ؟ قال ((يكفيني ان اجد فيكم الكثير)) . فضيق حراكه الاجتماعي ,و قسوة الزمن ,جعلت منه مسطرياً في كثير من قياساته ,في زمن لا يحب المقاسات ,فعلاقته بالاخرين تتسم بالمحبة و الاخلاص و عفة الضمير .و قد يتقاطع مع البعض حد القطيعة ,و لكل منهم وجهة نظر ,فرب من لا يخطئ .فنحن نتاج مزيج من وراثة و اجتماع عائلي و مجتمعي و سلطوي ,و كل منا افرازات لكل ذلك . فائاسوس ميد حين يلبس قميصه ,لا يعتبره غطاء لعري فقط ,بل يقيم معه علاقة صداقة ,و لا يرميه حتى يبلى لا بخلاً بل اعتزازاً . نم قرير العين ,قلمي لا يطاوعني على كتابتها ,من اعطى فعل الامر هذا امراً من من ؟! .ألا شلت حرفاك .انك لم تمت كما قال ثامر ابو فراس بل نحن الذين نموت .لقد تركت إرثاً ثقافية و فكرياً ضخماً ,سيكون معينا للاجيال يسهم في ردم القطوعات التي تكررت عبر التاريخ : من سقوط بابل مروراً بالغزو الساساني ,السلجوقي ,الاسكندري ,الفارسي ,البدوي ,المغولي ,العثماني,الانكليزي ,الصدامي ,الامريكي .انك خليط من دماء العراقيين و ثقافة عربية كردية و فكراً ماركسياً ,تفاعل كل ذلك في ضروف من الظلم و القسر الطبقي ,فانتجت ظاهرة محي الدين زه نكه نه .من هذا تجسدت ملحمة كلكامش السومرية فيك ,يوم بحث عن الخلود فلم يجده إلا في العمل الصالح . كل كلمات الرثاء التي قيلت و التي ستقال و تكتب مشكورة ,لا تحيي ابا ازاد .و لكي لا نكون ظاهرة صوتية كما يقول الكاتب السعودي (القصيمي) :نقول اكثر مما نفعل .فعندما ينفض الجمع يذهب كل في طريقه و كأن شيئا لم يكن . فعلى وزارة الثقافة في اقليم كردستان و بغداد ,ان تأخذ على عاتقها طبع اعماله الادبية المنشورة و المخطوطة بالتعاون مع عائلته و الحزب الشيوعي العراقي و اصدقائه ,و الذين كتبوا في ادب ابي ازاد .بتوزيعها على المكتبات و المدارس باسعار زهيدة ,و ان يدرس تراثه الادبي و الفكري في الكليات و المدارس ,و ان يترجم ادبه الى اعمل فنية . و ما قدمه د. فاضل الشمري من جهود استثنائية مشكوراً باعتماد مسرحية (رؤية الملك) مادة علمية في موضوع تحليل النصوص الادبية ((نظراً لأهميتها الادبية و الفنية)) باقرار مجلس كلية التربية جامعة ديالى .و ان تقوم الجهات ذات العلاقة باطلاق اسمه على احد الشوارع او المدارس او القاعات و المؤتمرات و المهرجانات الادبية في كردستان و ربوع العراق و خاصة المدن التي عاش فيها .وفاءاً لهذا الرجل الذي لفنى عمره في خدمة الادب الرفيع و القضية الوطنية ,لبرسم الابتسامة على شفاه الاخرين .

 

 

    محي الدين زه نكه نه في الرسائل الاكاديمية ............... د. دلسوز البرزنجي

 

 

كان محيي الدين زنكنه –وسوف يظلّ- قامة شامخة في الثقافة العراقية المعاصرة بابداعه الرصين والمتنوع، المتمثل في مجموعة كبيرة من المسرحيات والروايات والقصص القصيرة والمقالات التي صدرت خلال نصف قرن. عبّر فيها عن مواقفه من الأحداث السياسية والاجتماعية التي مرّ بها العراق في النصف الثاني من القرن العشرين، وقضايا انسانية تعيشها البشرية في كل زمان ومكان، بصيغ فنية عالية لا مكان فيها للنزعة التقريرية، وبلغة فصيحة سلسة لا ركاكة فيها، جعلتها –ولا سيما المسرحيات- تدخل في تراث الادب المسرحي العربي، كما يقول د.فائق مصطفى. فلهذه الاسباب وغيرها اهتم بهذه الآثار الأدبية النقاد والدارسون وكتبوا عنها كتباً ودراسات عديدة، ثم التفت اليها طلبة الدراسات العليا فكتبوا عنها في الجامعات العراقية خمس رسائل، ثلاث منها لنيل درجة الماجستير، واثنتان لنيل درجة الدكتوراه. كانت الرسالة الأولى في جامعة بابل عام 2002 تحت عنوان (البناء الفكري والفني في مسرحيات محيي الدين زنكنه، للباحث وليد الجنابي واشراف د.امجد سلمان عطية ود.محمد عبدالرضا ابو خضير، ولم استطع الاطلاع عليها. والرسالة الثانية (مسرح محيي الدين زنكنه/ مسرحية الفصل الواحد انموذجاً) للدكتور غنام محمد خضر في جامعة الموصل عام 2004، تحت اشراف الدكتور فائق مصطفى. تناول فيها الباحث المسرحيات القصيرة لزنكنه وقسمها على فصلين، الفصل الأول خصصه للمسرحية التقليدية ودرسها في ثلاثة مباحث، درس في الأول الحبكة والصراع، وفي الثاني الشخصيات، وفي الثالث الحوار. والفصل الثاني خصصه للمسرحية التجريبية ودرسها ايضاً في ثلاثة مباحث، في الأول درس دراما العبث واللامعقول وفي الثاني المونودراما، وفي الثالث درس الدراما الملحمية. واهم النتائج التي توصل اليها الباحث ان مسرحيات زنكنه القصيرة جسّدت قضايا ومشكلات اجتماعية وانسانية عامة، في قوالب مسرحية كلاسيكية وحديثة توافر فيها اغلب الخصائص البنائية والجمالية لمسرحية الفصل الواحد. أما الرسالة الثالثة فهي (الصراع في مسرحيات محيي الدين زنكنه) للباحثة خولة ابراهيم/ كلية التربية بجامعة ديالى عام 2006، تحت اشراف الاستاذ الدكتور فاضل التميمي. ولم اطلع عليها ايضاً. وامّا الرسالة الرابعة فهي (البنية الشعرية في مسرحيات محيي الدين زنكنه/دراسة اسلوبية) للدكتور باوه دين كريم مولود جامعة السليمانية عام 2006، تحت اشراف الاستاذ الدكتور فائق مصطفى. تكوّنت الرسالة من تمهيد عالج مصطلحات (البنية) و(الشعرية) وعلاقة المسرح بالشعر. والفصل الأول (البنية الصوتية) دار على التماثل والتكرار بانواعه والجناس والسجع والتوازي. والفصل الثاني البنية التركيبية ودار على العنوان والتناص والانزياح والاعتراض والفصل والوصل والايجاز والحذف. والفصل الثالث (البنية الدلالية) عالج الصور البلاغية والصور الرمزية والاسطورية. جاء في مقدمة الرسالة ان ما دفع الباحث الى اختيار هذا الموضوع هو قلة الدراسات الاكاديمية حول شعرية النصوص النثرية لأن اغلب الدراسات مقصورة على الشعر. والسبب الثاني ان زنكنه أديب كردي ملتزم، لم ينس شعبه ووطنه أبداً فظلّ طوال اكثر من اربعين عاماً يكتب ويؤلف دون كلل، فألّف المسرحيات والروايات الكثيرة، وكلّها نقد للنظام والسلطة مع العناية الكبيرة بالجوانب الفنية. ومن النتائج التي توصل اليها الباحث ان البنى الشعرية في مسرحيات زنكنه جاءت في أغلبها ايحائية ومنسجمة مع السياقات الواردة فيها، ولا سيما في مايخص حوار الشخصيات والمواقف التي تفرزها والاجواء المحيطة بها. وهذه البنى فوق ذلك لها دلالاتها وايحاءاتها، ووظائف درامية اخرى في المسرحيات في ما يخص المتلقي. وفي عام 2007 نوقشت في الجامعة المستنصرية رسالة دكتوراه (محيي الدين زنكنه روائياً/ دراسة ونقد) للدكتور رؤوف عثمان. تضمنت الرسالة ثلاثة فصول، الأول (السرد) عالج نوعي السرد في روايات زنكنه، الموضوعي والذاتي، ووجهة النظر على المستوى النفسي والتعبيري والايديولوجي. والفصل الثاني (الشخصية) دار على انواع الشخصيات وابعادها الجسدي والاجتماعي والنفسي والفكري. والفصل الثالث (الزمان والمكان) تشتمل على تقنيات السرد (التلخيص والحذف والوقفة والمشهد والاسترجاع والاستباق) وانواع المكان (الاليف والمعادي والمغلق والمفتوح) ووظائف الوصف الزخرفية والابهامية والتفسيرية. ومن النتائج الواردة في الرسالة ((ان الهم الروائي الاساس لمحيي الدين زنكنه منصب على ابراز القضايا الانسانية الجوهرية المتمثلة في المساواة والعدالة الاجتماعية والحرية الانسانية، وخلاص البشر من ربقة العادات والتقاليد البالية المتوارثة، حيث يبحث عن عالم خالٍ من هاجس الظلم والقسوة والغاء الآخر)). وهناك مشروع في كلية اللغات بجامعة السليمانية حول تسجيل رسالة ماجستير عن (الحوار في قصص زنكنه القصيرة). واني على يقين بان العناية بأدب اديبنا الكبير زنكنه، في جامعاتنا، وفي الجامعات العربية، بعد رحيله، ستزيد لأن هذا الأدب أدب انساني وشامخ لاشتماله على عمق الفكر وجمال اللغة والاسلوب.

 

 

    محي الدين زنكنة... الرحيل المتعجل في الظرف الصعب ....عبدالكريم جعفر أحمد

 

الخميس, 21 أكتوبر 2010

 

يوم السبت 21/8/2010 كنت حاضرا فاتحة إحدى أمهاتنا العزيزات وإذا بالصديق العزيز صادق عباس ابو أحمد يهمس في أذني سمعت خبرا محزنا لم أتأكد منه بعد، أن ابا آزاد في ذمة الخلود!! أصابني الحزن والوجوم وأخذت أدعو من الله ان لا يكون الخبر صحيحاً وعدت مسرعاً الى البيت لأتحقق من الخبر من خلال الفضائيات وفي طريقي رن هاتفي ينبؤني بوصول رسالة وإذا بها من الصديق العزيز الشاعر ابراهيم الخياط... "ينعى أتحاد الأدباء والكتاب محي الدين زنكنة الذي توفى في احدى مستشفيات السليمانية" دمعت عيناي وعرفت أنها خسارة لا تعوض وخطب مدلهم... لقد فقدت الثقافة والأدب في العراق قامة كبيرة من قاماتها الخالدة خلود دجلة والفرات لقد فقدنا درة ثمينة من دررنا تعجل القدر بإطفائها وهي لم تزل قمة في عطائها وعنفوانها لقد كان فقيدنا العزيز واسع النطاق في مجال الثقافة والأدب سقى نعماء الأدب من طيب أخلاقه وهدوئه المنقطع النظير وعصاميته التي لا توصف لقد كان نخلة عراقية صلبة القت بظلالها الوارف في مجال الأدب والثقافة على جميع ابناء شعبنا وبكل اطيافه... ولد الأستاذ محي الدين حميد زنكنة في أحد احياء كركوك عام 1940 وأكمل الدراسة الابتدائية والثانوية فيها كركوك وعرف بنبوغه الفكري فعندما كان عمره (14) سنة كتب اولى قصصه البسيطة وفي عام 1956 في سن (16) سنة نشرت له مجلةالآداب البيروتية إحدى قصصه.. لقد عرف وهو طالب في الثانوية بنشاطه السياسي وعندما حدثت انتفاضة 1956 التي أيدت ثورة مصر شارك فيها وتم اعتقاله لفترة قصيرة بعد اكماله الثانوية عام 1958 التحق بكلية الآداب جامعة بغداد قسم اللغة العربية وقد عرف بنشاطه السياسي في الكلية هو وزميله الاستاذ فاضل ثامر تخرج من كلية الآداب عام 1962 وعين مدرساً في لواء الحلة ناحية الهاشمية وعرف فيها بنشاطه السياسي أيضاً وعند حدوث انقلاب 8 شباط الأسود هرب من الهاشمية الى بغداد مشياً على الأقدام هرباً من سطوة الحرس اللاقومي ومن بغداد التحق بالثورة الكردية المسلحة قوات الأنصار التابعة للحزب الشيوعي العراقي وفي عام 1964 اصدرت الحكومة آن ذاك عفوا عن السياسيين والهاربين عاد فقيدنا الى خانقين وعين مدرساً من جديد تاركا خدمة واضبارة في لواء الحلة لأن بها كثيرا من التقارير الأمنية التي لا تخدمه بقي في خانقين مدرساً لمدة أربع سنوات بعدها انتقل الى بعقوبة وسكن اول الأمر قرب مدرسة الأمين بعدها انتقل الى منطقة العنافصة ومن ثم انتقل الى منطقة بعقوبة الجديدة حتى حدوث الهجمة التكفيرية المجرمة على بعقوبة عام 2006 بعدها انتقل الى محافظة السليمانية حتى رحيله الى دار الخلود هذه السيرة القصيرة لفقيدنا العزيز نقلاً عن إبنه أزاد اخذت بتاريخ 24/8/2010 عندما زرته معزياً في السليمانية ومجموعة من أصدقاء الفقيد من أهل بعقوبة.. لقد عاش أبو أزاد في بعقوبة (38) سنة كانت له المكانة الرفيعة التي شغلها في قلوب أهلها لقد أحب بعقوبة وأحبته لانها شهدت ولادة أغلب رواياته ومسرحياته لقد ولدته كركوك وارضعته بعقوبة.. لقد عاش ايام حكم الديكتاتور العوز والحرمان والطوى وكان أبي النفس عصامياً لا يضاهيه أحد وكان بإمكانه ان يمجد الديكتاتور في كتاباته ويحصل على ما يريد من المال والمكانة لكن نفسه الأبية ومبدئيته العالية تأبى ذلك لقد عرف أبو آزاد بمناهضة الديكتاتورية وأبى الرضوخ الى مطالبهاوالتي سعت الى تحويل الكثير من الكتاب الى أبواق ومزامير يمجدون السلطة البغيضة فلم يهادن او يخاتل ولم يضعف امام جبروت الدكتاتورية بقول الصديق العزيز صلاح زنكنة في فترة التسعينيات وعندما كان الحصار الجائر ينهش في جسد شعبنا الأبي عرضت على الاستاذ محي الدين الهروب خارج العراق عن طريق كردستان وقلت له أنا بإمكاني ان اسهل لك هذه المهمة ودون مقابل فرد عليّ أنا كالسمكة لا يمكن ان تعيش بدون ماء فأنا لا يمكن ان أعيش بدون العراق وبعقوبة تحديداً... عرفت الأستاذ محي الدين في الثمانينات مدرساً في إحدى اعداديات بعقوبة وتعمقت علاقتي به بعد 1990 حيث كنت اعمل بائعاً للكتب في شارع المتنبي ومرة استصحبته الى شارع المتنبي حيث التقى هناك بالأستاذ فاضل ثامر وأحمد خلف وعبدالخالق الركابي وعدد آخر من مثقفي العراق.. لقد أنتشرت في التسعينيات ثقافة الأستنساخ وأبطالها في شارع المتنبي رجال مجهولون سوف يكتب التاريخ اسماؤهم بأحرف من نور، هم: سعدون هليل وسيد جبار العلاق وخضير أبو مريم وسعد خيون وأحمد الطويل وكريم حنش وتوفيق التميمي وعشرات غيرهم يطول الحديث عن مواقفهم البطولية.. كنت أمد الأستاذ محي بالكتب المستنسخة وكنا نلتقي في عيادة الدكتور الطبيب مهدي جاسم موسى في بعقوبة انا والدكتور الشهيد داود محمد شريف والدكتور عبدالرحمن التميمي نتبادل الكتب وكانت هذه العيادة وكرا لنشر ثقافة الاستنساخ والكتب المعادية للنظام السابق حيث كنا نتبادل كتب مذكرات زكي خيري ومذكرات بهاء الدين نوري وحوار المفاهيم وأوكار الهزيمة للفكيكي وكتب هادي العلوي وحسن العلوي ونصر محمد أبو زيد ومحمود القمي واحيانا كنت التقيه في مكتبة الشهيد الأديب مؤيد سامي رئة بعقوبة الثقافية حيث كنت امده بالكتب المستنسخة وكذلك كنت التقيه بين الفينة والفينة في محل الأستاذ والمربي الكبير صلاح وهابي هذا المناضل الذي عانى الكثير من بطش السلطة المجرمة. لقد كان الاستاذ صلاح يشتري مني الكتب المستنسخة هو والأخ صادق عباس أحمد وكانا بدورهما يوصلانها الى الاستاذ محي الدين لأن وضعه المادي لا يسمح له بشراء الكتب واتذكر مرة سألني عن كتاب شهداء الحزب الشيوعي العراقي ج 1 اصدار منظمة الحزب الشيوعي في السويد وهو كتاب عظيم يتحدث عن شهداء الحزب منذ فترة التأسيس حتى عام 1963 وكنت قد بعت هذا الكتاب الى الصديق أبو أحمد فقلت للاستاذ محي ان هذا الكتاب خطر جداً لأن مسكه يعني وجود تنظيم وقلت له انه موجود عند الاستاذ صادق ابو أحمد ويمكن استعارته منه.. مرة سألني عن جريدة الحزب الشيوعي السرية "طريق الشعب" فقلت له ان الحصول عليها صعب جداً وأني لم أحصل عليها إلا مرة واحدة وهي مستخدمة وصعبة القراءة. وعن طريق الصديق سعدون هليل اما الوكر الثاني لتوزيع الكتب المستنسخة المعادية للديكتاتورية فهو معمل الشيوعي الراحل عبدالاخوة التميمي (ابو نزار) زوج الناشطة والكاتبة المبدعة فاطمة العراقية.. لقد غيب عنا الردى فرقداً كانت الأبصار إليه شاخصة والأفئدة والهة فهذه مراجعنا يا ابا آزاد قد غدت بعدك واجمة كئيبة وان شخصك لم يزل لصق الحنايا والضلوع وان سيرتك الحافلة بالمآثر ستبقى نبراساً لنا على مر الزمن ومنار طريق.. لقد وضعت العراق العزيز في كتاباتك لصق الحشا ونصب العيون والنضال من أجل الحرية وكرامة المعدومين لم يخفك هوى او سلطان لقد كنت بيرق مجد وفخار التصقت حولك القلوب ولهجت باسمك الحناجر.. لقد كنت شهاباً ثاقباً في دياجيرنا الحالكة وربيعاً زاهراً في بيابنا القاحل.. لقد كنت تمضي باستمرار وبإصرار في طريق النضال الشائك من أجل رفع سوط الطغاة الممدود على رقاب شعبنا الصابر من خلال رواياتك ومسرحياتك فكنت بحق فارساً لكل كريهة وقمرا منيراً لكل مدلهمة. لقد كنت حتى أفل خافقك الكبير وتداعت نياطه وسرى الداء البغيض في جسدك الطاهر تحمل عذابات الشعب وهموم الوطن وحتى الرمق الأخير وبكل صبر وطول أناة وعصامية كبيرة لقد كنت تراسلنا وتتصل بنا وأنت تصارع المرض وتلوك الألم فوا وجدي يا أبا أزاد لقد فارقتنا ونحن لم نزل ضمأى لكتاباتك ودوحتك الوارفة التي تفئ علينا حنوا وتودداً وستظل يافقيدنا العزيز تقاسمنا رغيف العناء وتجاذبنا حلو الحديث وتشد عزما اذا ما اتعبنا المسير.. ان الجلادين القومجية الذين حاربوك وضيقوا عليك ولم يسمحوا لك بنشر مسرحياتك ورواياتك صاروا في مزبلة التأريخ تطاردهم اللعنة وبقيت أنت طوداً أشم تنير لأجيال دروب الحرية والفكر والثقافة وحتى في رحيلك وان التاريخ سوف يخلدك ويكتب أسمك بأحرف من نور وان القلم ليقف عاجزاً أمام مواقفك الصلبة ومبدئيتك العظيمة لقد حاول الطغاة اطفاء جذوة هذا الألمعي لكن دون جدوى لانه سار على طريق معبد بدماء ثلة من خيرة ابناء هذا الشعب فتحية لك أيها المتألق في سماء الحرية والعقيدة. لقد ترك رحيلك مكاناً شغلته في شغاف القلوب تركتنا ولم نشبع من مسامراتك والاسترشاد بآرائك وأفكارك النيرة التي طالما نهلنا منها وكذلك نهل الآخرون تركتنا ولم نزل نسمع صدى صوتك في آذاننا وصورتك مرسومة في حدقات عيوننا وان روحك سوف تظل مرفوعة فوق رؤوسنا وقلوبنا كالحمام.. يا أبا آزاد ان الأصدقاء وإن كانوا أعز الأشياء على الإنسان فهم هبات تسترد وتسترجع وعطايا تسلب وتنزع وحسنات تذخر لكل الجديدين وطوارق الحدثان وإننا عندما نزل القضاء بك ما لنا سوى التسليم والرضا لأن الحمام حتمٌ على الكبير والصغير ومآل كل جليل وإن فقدك هو البلاء العظيم والخطب المدلهم.. لقد عبس فقدك يا استاذنا الجليل ثغر اهالي بعقوبة فزاد غمهم وعم كدرهم وجعلنا غارقين في بحر الهموم والأحزان لقد تراكمت علينا الاشجان لأننا عشنا سنين عجافا في ظل الدكتاتورية الشمولية التي وضعت الثقافة تحت حذاء السلطة الثقيل ونحن نعيش الان مع حكومات أتعبتنا أمية تصرفاتهم وجهالة حكامها وهم يتسابقون الماراثون من أجل سرقة قوت الفقراء ولا يعرفون الديمقراطية إلا في بياناتهم وتصريحاتهم النارية وان صدورهم لا تتسع لغير مصالحهم أنهم وعاض الملوك وتنابلة السلطان.. واخيراً يا أبا آزاد إن في جنبي لوعة تعتلج لفراقك الغالي لا أعرف سبيلاً للتعبير عنها إلا بالقلم وإن قطرات المداد التي يرصع بها الكتاب بياض صفحاتهم هي من قطرات الحياة التي أرقها فقدك ولكن ماذا يفيد البكاء اذا كانت الأعمار رهائن المصارع وان القضاء لا محال واقع وان الموت سنة الأنام فالصبر للرزية والتسليم للقضاء أمرأ وأحلى.. لقد بكتك الجوانح قبل المقل وورثتك الحنايا قبل الافواه وسنبقى نسير على الدرب الذي سرت عليه لن تخيفنا صوارم التكفيريين الجبناء ودسائس اعداء الشعب وسيبقى فقدك مروعاً وخسارة فادحة لا تعوض وجرحك غائر يأبى ان يندمل وآخر دعوانا ان تكون فجيعتك هي هي خاتمة أحزاننا ومنتهى خطوبنا وان يحفظ الله ابنك آزاد وزوجتك المفجوعة وابنتيك الكريمتين ومحبيك واصدقائك ويلهمهم وإيانا الصبر والسلوان.. فسلام عليك انسانا تحمل كل معاني الإنسانية.

 

    وداعاَ محيي الدين زه نكه نه ..............................علاء كوركيس هرمز

 

 

   أضغط هنا لقراءة الرثاء - الرابط الاصلي "هنا"

 

 

 

 

 

 

 

 

Copyright © 2010 muheealdeenzangan.com, All rights reserved.   Home Contact us