رَثَى مُحيي الدين زه نكه نه أصدقائه وهذه بعض من كلماته التي نشرها

 

خليل المعاضيدي

جريمة قتل شاعر


29-3-2003

أحبتي، لم نلتق هذه الامسية، لكي نؤبن عزيزا سرقوه منا، ولا لكي نجدد ذكراه التي لاتزال طرية بندى المحبة، وانما لكي ننشط وننعش ذاكرتنا التي أوغل الزمن القاسي بأنهاكها وزرعها بأوجاع وألآم فقد الاحبة، بلا رحمة. بيد ان عزيزنا لم يرحل عنا، فهو لايزال في بعقوبة، كان ثمة قنديل، أسمه خليل، يضيء بالكلمة الودود.. دروب المحبة، يحفر بالقلم الحاد، كالسكين، طريق الحرية، يرسم بالمداد الاحمر أفاق السعادة. يعزف على أوتار قيثارته غير المرئية، المختيئة بين الضلوع، ويغني بصوته الهاديء الرصين ونبرته العذبة الحنون.. أغنيات للانسان.. للاشجار.. للعصافير.. للغد الآتي، رغم كل شيء، مترعا بالاحلام والاماني. "يطش" حروفه الملونة المعطرة، برائحة خبز الامهات وعطر شاي الامسيات.. فتتلون الزهور ويتضوع القداح، حيث العائلة العراقية تعيد صياغة الحياة على انغام اغنياته، في صمت مجلل بالكبرياء، رغم الفقر والجوع، ولكن دائما ثمة من لايروق له الغناء، ويبغض الشعر والعذوبة والصفاء.
ففي ليلة شباطية سوداء ظلماء، عمرها اربعون عاما، كل يوم فيها عام، كل عام فيها دهر، اغتال القمر فيها حفنة اشقياء. فتوارت النجوم خجلا، من مخلوقات تكره الضياء، واحتجبت الشمس أشمئزازا من كائنات تقتل النور، فاستحال الزمن ليلاً دامساً أسود، اشد سوادا من قلوب القتلة، وتناسل الليل الادكن، مع النهار الاظلم.. تحت استار ليالي الظلم والظلام فتمخض عن ليال وليال.. وليال، اشد عتمة.. وقبحا وشرا، بدت كأنها بلا نهاية، اتلفت من اعمارنا نصف قرن الا عقدا..
في تلك الليلة الشاذة من الليالي، في منتصفها، او قبل منتصفها او بعده.. بقليل او كثير، لاادري، فليالي الشر متواصلات لها بدايات وليست لها نهايات ولامنتصفات. وربما في احد النهارات السود، السود حقا، فكل شيء في ذلك الزمن/الكابوس، الخرافي في كابوسيته، كان اسود، حتى النهار، حتى الشمس صارت سوداء.
في ذلك السواد القاتم العميم، سرقوا من بيتنا -العراق- من ضمن من سرقوا قنديلنا الاخضر. قنديل بعقوبة الخضراء، التف عليه الظلام، غطاه عن العيون، عيونه التي فتحها للناس.. اقتلعوه من جذوره.. انتزعوه من ينابيعه، اطفأوا فيه الشعاع.. هكذا هم الظلاميون في كل زمان و مكان, يكرهون النور، يخشون الضياء.. يخافون الشعر.. وقد كان خليل دفقة نور وشلال شعر.. ولكن خسئوا "فكل ظلام العالم عاجز عن اطفاء شمعة" فما بالك حين تكون الشمعة.. شاعرا..
ملعون من يقتل شاعرا.. ملعون من يخنق نورا.. ملعون من يطفيء شمعة.. اطفأوا (خليل) لانه أبى ان يضيء لهم. لاعداء الانسان.. لاعداء الحياة. وتوهموا ان الليل الذي نسجوا عباءته الثقيلة من جلود الناس.. وفقأوا عيون نجومه.. وملأوا محاجرها بدماء الضاحيا.. سوف يظل جاثما على صدورنا الى الابد. وسيظلون يمارسون هواياتهم المجنونة وطقوسهم الدموية. ويقيمون اعراس القتل واغتيال الشعر وردم ينابيع الحياة، في كل مكان، تحت ستار الظلام وحمايته، جاهلين، وكل القتلة جهلة، حقيقة جدلية بسيطة، وهي ان لاشيء يبقى على حاله.
"وان الانسان لن يخوض النهر نفسه مرتين.. فان مياها جديدة، تجري دائما تحت القدمين" قالها هيروقليطس قبل الاف السنين. وان الشاعر الذي يضيء بشعبه قد ملأ قنديله بزيت الحياة الذي لا ينضب، وقد نشر نوره في دهاليز العقل والفكر، في مجاهل النفس والروح، واوردة القلب وشرايينه، وهو يحيا به.. و .. فيه..
والهفي على خليل، ذلك الجسد الناحل الاصيل،الممتلي بالعزم والاصرار وذلك الرأس المرفوع الممتليء بالشعر والافكار. لقد عذبوه بقسوة الجبان ووحشيته وخسته، نهشوا لحمه، قضموا عظامه، مثلما فعلوا بجّدٍ له من قبل ب "بروميثوس" الذي سرق قبسا من الشمس واعطاه للانسان، متحديا لاوامر الاله زيوس الذي غضب وثار وقيده الى صخرة هائلة. وارسل عليه نسرا يأكل كبده، كل يوم، ولايلبث الكبد ان يلتئم من جديد..ليأتي النسر مرة أخرى ويقضمه من جديد.. وهكذا دواليك.. طيلة قرون.. وأذ تهيأ لزيوس انه قد ضعف.. ارسل اليه رسوله ليساومه.. فقال له: اذهب لسيدك اني وأنا ارسف في أغلالي والنسر يأكل كل يوم كبدي، اكثر حرية منه.. ان سيدك هو العبد، وانا الحر..
والهفي على خليل.. لقد سفحوا دمه.. دم الشاعر في بعقوبة، كما سفحوا دم لوركا في مدريد وسفحوا دم نيرودا في شيلي وايلوار في باريس وهو يصرخ بقتلته مشفقا عليهم " أيها الحمقى اني اموت من اجلكم" اجل ان للقتلة وجها واحداً .. وان تعددت الاقنعة والازمنة والامكنة.. ويتواصل القتل والشنق والحرق.. مادام ثمة انسان يقول لجلاديه "لا" ويأبى ان يفكر إلا بالطريقة التي يريد.. ويرفض ان يسير إلا في الدرب الذي يختار. لايأس"فأذا لم احترق أنا واذا لم تحترق انت، من يضيء الدرب للأخرين" يقول ناظم حكمت.
واحترق خليل، واحترق الاخرون.. سابقون ويحترق لاحقون، لا لذنب اقترفوه، ولا لجريمة ارتكبوها.. وانما لذنب أبوا ان يقترفوه، ولجريمة استنكفوا ان يرتكبوها "ان اكثر ما يثقل الضميرالانساني ان ترى عقابا وليست ثمة جريمة، وان ترى جريمة وليس ثمة عقاب" كم عقابا رأينا؟ بل ذقنا وعشنا؟ دون أية جريمة. وكم جريمة وقعت بدون اي عقاب من يحصى؟ من يعد؟ من.. من..؟
يحلو لمحبّي خليل، وكنا محبوه، أن يروه بعين الخيال المجنح وهو يرفرف مع الفراشات في الجنة.. بيد اني اراه هنا.. " فقد وضعوا الشاعر في الجنة فصاح أه ياوطني" وانا اسمع صوت خليل وهو يصيح.. آه ياعراقي.. آه يابعقوبتي.. آه ياخريساني!!
أجل أيها الاخوة.. اني اراه سارحا كعادته على ضفاف خريسان.. مثلما اراه فيكم.. وبينكم ارى المقاعد كلها ممتلئة بخليل الانسان الشجاع.. الذي اختار واحسن الاختيار.

 

مؤيد سامي

معذرة مؤيد... اذ لا اقول وداعا

 

25 /1 /2005

من يعرف السامي مؤيدا .. يعرف السمو .. السمو في الخلق والأخلاق .. والأدب من يعرف مؤيدا .. يعرف الشفافية والنزاهة في السلوك والعمل والفكر .. يعرف الإنسان في صفاء الروح ونقائها ، ليس على مستوى الواقع الذي يرشح نواقص وعيوبا ، وانما على مستوى الطموح الذي يكاد يخلو من شوائب الواقع الذي نعيشه وأدرانه ولأني أعرف مؤيدا .. ما كان يدور في خلدي أن ثمة طلقة يمكن أن يبلغ بها الغدر حد الاقتراب من هذا الإنسان الأليف ، ناهيك عن اختراق جسده وسفك دمه ،

 أن تسير نحوه بتلك الاستقامة الغريبة التي تفتقر اليها الدنيا في أشيائها كلها ، ابسطها العدالة .. كنت أحسب انها ستتوقف في منتصف الطريق .. نادمة ، أو تنحرف عن مسارها خجلى من نفسها أو تفعل ما تقتضي العدالة أن تفعله إن كانت ثمة عدالة أو بقايا عدالة ما زالت تتنفس في أحوال مثل أحوالنا .. وهو أن ترتد الى قلوب القتلة السود .. الطوافح كأي مستنقع آسن .. بالنتانة والحقد الأعمى على كل ما هو نبيل وجميل وشريف ومشع ، يزخر ببذور المستقبل   أجل .. كان لابد للطلقة ، حتى الطلقة الجامدة ، معدومة الحياة والإحساس ان تخجل من هذا القلب الإنساني المفعم بالحياة .. النابض بالحب للناس والعمل المزهر بالشعر والجمال .. الممتلئ بمشاريع الكتابة والإبداع والأماني والآمال العراض .
لم اصدق ابدا ، ومن بوسعه ان يصدق ، بأن تلك الرصاصة والجمرة الملتهبة المدربة على القتل الغدر ، يمكن أن تكون بهذا القدر الوحشي اللامحدود من انعدام الغيرة والحياء .. أن تكون اكثر سفالة من القتلة المنفوخين أو المفخخين بأجنة الشر والجبن .. فتكسر رقبة هذا البرعم السائر نحو الاكتمال من غصنه المغروس في عمق تربة العراق ، وحب العراق .. وقد شرعت أوراقه تتفتح .. بألوانها البهية ، مانحة انفاس عطائها الثر في أزمنة الخمود والجدب .. وأوقات الرماد والعطب .  ولكن .. واخجلتاه ، هذا ما حدث ووقع .. ويا لفاجعية ما حدث ! ويا لمأساوية ما وقع فزماننا المشوه هذا ، الطالع بأقسى عمليات الولادة القيصرية ، واكثرها بشاعة ودموية من ذلك الرحم الاجرب المتقرح بكل سيلانات الدنيا وقذاراتها ، ونطف النغولة ولقاحاتها الآثمة ، منذ اكثر من اربعين عاما ، مازال يقذف المخلوقات النغلة ويطشّ بويضاتها الموبوءة في كل مكان .. وستفقس عن كائنات اكثر تشوها وظلامية وقدرة على الغدر ، إن لم تبادر قوى الخير من ساعتها الى وأدها وقلع الرحم أو الأرحام التي ما تزال تحبل بها .. وهي تتلقف كل ما يقذف فيها من داخل البلاد وخارجها بشبق وشراهة لا حدود لهما ، دون ان ترتوي أو تشبع .. وحتى دون أن تتوقف بعض الوقت لالتقاط أنفاسها .. التي تلهث وتلهث .. وهي تبغي المزيد والمزيد ..  ماذا أقول يا مؤيد .. ماذا أقول أيها السامي .. في حياتك الزاهرة الزاهدة .. وحفنة أوغاد يطفئونها  ويدفنونها في رماد رحيل تراجيدي مفاجئ .. أمام عيون رفيقة عمرك وينتزعونك من حدقتيها ، وحدقات ورودك اليافعات المتفتحات لتوّها للحياة ، وهي لما ترفع رؤوسها وتستقم أعوادها إلا بالكاد .. فتخترقها هذه الفاجعة التي كانت لك ولهم .. ولنا بالمرصاد .
ماذا أقول ومداد عيني يسابق دموع قلبي وقلمي ..؟ هل أقول وداعا ؟ وهل حقا هو وداع أم إن لنا موعدا ، نحن – أصدقاءك ، الذين اخترنا أن نحيا ونفكر كما نريد لا كما يريدون ؟ موعدا لم تحدده انت ولم نحدده نحن ، بل ما تريده أنت ولا نريده نحن ولكن تخطط لـه في الظلام ، دون علم منا هذه الأيام السود ، وساعاتها المخضلة بالدماء والدموع الفائحة بروائح اللحم البشري المحروق .. التي ستلد أياما ونهارات اكثر ظلاما .. وسوادا ، من تلك الليالي الشباطية التي سرقوا فيها القمر ، وسفكوا دماء النجوم .. والناس في الأزقة والطرقات ، فوق زهور الحدائق ومقاعد رياض الأطفال ، وسمّموا حليب الأمهات ولطخوا كتب العلم والمعرفة بالدماء .. وملأوا السماء الأرض الأنهار  الهواء بـ .. الجثث .  لقد اندلق الشرّ من زقه الشيطاني الممزق .. أيها العزيز
.. واقتنصتنا الغابة الخرافية التي تأبى أن تفارقنا .. وأعادتنا الى ظلماتها وشريعتها البربرية ، فتبدد الأمل الواهي الذي بان لنا .. وتلاشى الضياء الباهت الذي لاح لنا .. بأن خمبابا الذي نحره آباؤنا قبل آلاف الأعوام وقتله أو بالأحرى خدّره الأغراب قبل أكثر من عام لن يعود ويخرّب حياتنا من جديد .. وسوف نحيا كما يحق لنا ، نرفل بالحرية والأمن والسلام .. إلا أنه عاد ، انزوى بضعة أيام .. ليبدل جلده أو ليبدلوا له جلده .. ويحدّوا له أسنانه وأنيابه .. ويعدوه من جديد لموت جديد .. أكثر قسوة وشمولية .. وتنوعا .. وابتكارا وإبداعا أيضا ..
ونهض   مريدوه من كل حدب وصوب يغذونه ويمدونه بأسباب الديمومة والقوة والبطش في الداخل والخارج ويشحنونه بالقسوة والوحشية والطاقة ، للمزيد من الفتك والافتراس الجماعي ، بأكثر الطرق .. حداثة وعصرانية .. وخسة ووضاعة .. لخلق أجواء الرعب والاضطراب ونشر مناخ الفوضى والارتباك ، فالبرابرة الذين توهمنا أنهم قد رحلوا باقون
، ونحن قد بتنا على الدوام (بانتظار البرابرة) كما يقول كافافي .. ولنتساءل معه :  ] ما الذي يعنيه هذا القلق المفاجئ ؟ وهذا الارتباك والفوضى ؟ (كيف أصبحت الوجوه قاتمة) ؟
ولماذا تفرغ الشوارع والساحات بهذه السرعة ؟ ولم يعود الجميع إلى بيوتهم وهم غارقون في التفكير ؟ لأن الليل قد حلّ والبرابرة لم يأتوا . وقد وصل آخرون من الحدود وقالوا انه لم يعد هناك برابرة ؟ والآن ما لذي سيحل بنا بلا برابرة ؟ لقد كان هؤلاء نوعا من الحل [ .
هل كان كافافي عراقيا ؟ وعاش أو يعيش ايامنا الحالية الآن ؟
(( دعوت كافكا إلى العراق ، ذات مرة – يقول الشاعر الكردي جلال زنكه بادي –ليكتب شيئا عنا ، وإذ برى قلمه ، وتهيأ للكتابة ، طعن نفسه بالقلم .. ترى ماذا سنصنع نحن أصحاب الأقلام .. بأقلامنا ، والموت المجاني يترصدنا .. ويحصدنا ، الواحد تلو الآخر ، أو الواحد قبل الآخر ؟  و .. وداعا أيها العزيز مؤيد .. وداعا .. عفوا .. إلى اللقاء .. يا مؤيد .. يا مؤيد إلى اللقاء .. ولكن متى ؟ أين ؟ أنت لا تدري ، وأنا أيضا لا أدري .. ولا أحد يدري .. إلا أن (هم) يدرون (هم) وحدهم يدرون ؟ وليكن .. ما يكون !!


مهدي عيسى الصقر

نجم ساطع ، في سماء الابداع .... يغيب


يوم الثلاثاء (14-3-2006) بعد الظهر ... تلقيت مكالمة هاتفية الساعة الرابعة , وربما قبلها بقليل ، آو بعدها بكثير .. لم اعد اذكر .. مع أن الثلاثاء كان أمس حسب . و لكن المكالمة التي تلقيتها كانت من الفاجعية , بالنسبة ألي , بحيث أذهلتني تماما .. و أنستني الوقت و الزمن معا . كانت المكالمة مقتضبة جدا .. مثقلة بالحزن و الألم جدا .. و أكاد أقول مخضلة بالدمع أيضا
" أستاذ .. أبو أزاد .. الوالد .. توفي اليوم الساعة الثالثة و النصف "
آه .. أن المتكلم هو الدكتور إحسان .. نجل الفقيد الكبير و الأستاذ الجليل و الصديق الأعز .. و المبدع الخلاق مهدي عيسى الصقر ..
لا ادري ... ماذا قلت أو بالأحرى لا اذكر ماذا قلت بالضبط .. ربما لم اقل شيئا .. أو .. ربما قلت بضع كلمات مهمشات .. و عبارات غير مترابطات .. فقد خنقتني العبرة .. و انهالت مطارقها بسرعة غربية على كلماتي و عباراتي ..فارتددت إلى نفسي ألوذ بها .. اختبئ فيها .. لعلي أجد ثمة عزاء - و هل لهذا الفقد الموجع المتواصل للأحبة .. من عزاء ؟.
و بقيت الحقيقة المرة .. تملا حلقي مرارة .. ان نجما ساطعا , من نجوم الإبداع العراقي السواطع .. في سماء الفكر الإنساني الرفيع .. قد .. قد هوى . آخر عمالقة الأدب العراقي الأحياء .. قد ذهب إلى حيث لا رجعة .. آه .. ما .. أقسى الأشياء من حولنا .. في هذا الوقت الذي تشتد حاجتنا إلى فنارات العقل و المعرفة و الحكمة ... و الخبرة .. قد باتت ينطفي .. الواحد .. بعد الآخر .. .
في هذا الزمن الذي باتت سكاكين الغدر .. تطعنه و تمزق نهاراته المشعة أشلاء .. و تخترقه رصاصات الإرهاب ، في الظلام و من الخلف و الأمام .. كل يوم .. و تحترق نيران الحقد الأسود .. نهاراته المشعة .. لتحيلها .. ليلا اسود اسود .. اشد سوادا من كتل الصخور الفاقدة كل إحساس .. التي تنز سموما .. و التي تنطوي عليها و تخفيها من الأنظار .. أضلاع القتلة و نفوسهم الجبانة .. بعض نتاجات بذور الشر .. التي حقن بها ليل الدكتاتورية الأسود الطويل الطويل .. المخيم على أرواحنا منذ اكثر من أربعين عاما .. جسد هذا الوطن الوديع المسالم ليخنق فيه كل ما نبيل .. و مشرق .. و مستقبلي .

تعود معرفتي بالراحل المقيم بالقلب و التاريخ . إلى ما يقرب من نصف قرن .. و تحديدا إلى منتصف عام " 960" و يعود الفضل إلى ذلك , إلى أستاذي الأكبر الدكتور علي جواد الطاهر .. صاحب الفضل العميم على كل من تشرف بالتلمذة على يديه و التزود بعلمه الغزير ، و نهجه الأصيل ، ذات يوم .
كنت حينها طالبا في المرحلة الثانية من قسم اللغة العربية في كلية الآداب . و الأستاذ الدكتور .. يدرسنا و يعلمنا مادة " النقد الأدبي " و كان يرشدنا .. إلى دراسة نتاجات كتابنا العراقيين .. فاقترح على " غضب المدينة " المجموعة القصيصة الثانية .. للفقيد بعد " مجرمون طيبون " فقرأت ( و لا اجرو أن أقول .. و آنا في ذلك العمر المبكر درست ) المجموعة قصة قصة .. بشغف و بإعجاب متفاوت من قصة إلى أخري .. و لكن بتعلق شديد بكاتبها و روحه الإنسانية , الشفافة و التصاقه الحميمي .. بالفئات المسحوقة المستغلة من أبناء شعبنا .. و بنظرته التقدمية إلى الحياة .. و المجتمع .. الذي لم اكن قد تشرفت بمعرفته شخصيا .. التي لم تتحقق ألا في أواسط السبعينات و أوائل الثمانينيات .. و تعززت .. بمحبة متبادلة .. عبر القراءات المستمرة و المتابعة الدائمة لنتاجات بعضنا البعض .. بلغت حد تبادل المخطوطات و إبداء وجهات النظر حولها .. سواء في اللقاءات التي تجري بيننا .. أو في الملاحظات الكتابية ، أو الاتصالات الهاتفية شبه الأسبوعية ، و الاستضافات الكريمة في منزله .. و .. أكل الخبز و الملح " مع كوكبة رائعة من الأصدقاء و الأحبة .. الراحل .. حسين الحسيني . و محمود عبد الوهاب و الأستاذ الدكتور عبد الإله احمد .. و فواد التكرلي .. و محمد خضير .. و و و , الأمر الذي بات تقليدا يحرص عليه فقيدنا الكبير ، بكرمه المعهود في كل حضور ليتحقق لنا في بغداد في المربد .. أو في مهرجانات المسرح .. أو ملتقيات الشعر و القصة و النقد .
مهدي عيسى الصقر ..
اسمح لي أن أناديك هكذا مجردا من كل لقب و كل صفة .. فاسمك وحده اكبر الألقاب .. و سلوكك اجمل الصفات .. يا آبا الحان .. يا آبا إحسان ..
ما الذي جرى ؟ بالأمس كنت في محرابك .. الذي تشع منه .. بإبداعاتك المدرار .. في حضورك و حضور عقيلتك .. و رفيقة دربك الطويل المترع بالعطاء و الإيثار ..السيدة الجليلة أم الحان .. وولدك البار الوديع ، الإنسان الأنيس إحسان .. و برفقتي صديقي العزيز .. اللصيق بالروح ، الدكتور جلال الماشطه الذي لبى النداء أول ما أخبرته بحالتك الصحية التي شرعت تتردى ..
و اندفع حاضرا تدفعه غيرته المعهودة على رموز العراق الشوامخ .. و طلبت منه أن يعلم
" مام جلال " عاشق الجواهري .. و كوران .. و صديق المبدعين في شتى حقول الإبداع و رياضه .. ذا القلب الكبير الذي وسع حب العراقيين جميعا .. دون تفريق أو تميز .. السباق دائما إلى مد يد العون .. إلى كل إنسان .
آه .. لا شك إن الألم الوحشي الأخرس الذي كان يصرخ في داخلك و الذي نحت قوامك السامق ، كنخيل .. مهدك البصرة مدينة العراقيين جميعا .كان بوحيك من الداخل .. و أنت تكابد و تكابر
و .. تكبت
بيد آني .. أننا جميعا . كنا نسمع صراخه ملء الأذن و الروح و نرى ما يفعله بك ..ملء العين و القلب و العقل .. أيها العزيز " فالعين بصيرة و لكن اليد فصيرة " كما يقال .. بل مقصوصة .. أيها الكريم . و نحن إزاء ما تعاني .. بلا حول و لا قوة ..
يريم .. علينا الصمت .. و لكنه صمت مشحون بشتى المشاعر ، يمور باوجع الانفعالات .. و لكن ما العمل ؟ فقد أخرسنا .. ما نراه على ملامحك .. على جسدك .. و على تكورك على نفسك .. و أنت الذي ما رايناك ألا شامخا ..كجبل من جبال كردستان التي أحببتها .. و التي تمنيت .. كما أفضيت إلى اكثر من مرة ، أن تحيا فيها .. تثريك بعطائها الروحي .. و تثريها بإبداعك الفني ..
تشعبت بنا الأحاديث .. تطرقنا إلي موضوعات شتى .. إلا موضوعا .. و احدا .. ألا حديثا معينا مع انهما كانا الأشد حضورا ... و لكنهما باتا .. الأشد غيابا .. عن الألسن .. فقد اخترقا الداخل .. لا أحد منا يبغي الإفصاح عنهما .. لئلا يزيدا .. الهموم
ففي حضرة الألم .. في حضرة عذابات العزيز .. يسكت الكلام ..
أيها الأصدقاء .. أيها الأحبة في كل مكان .. أنى انعي إليكم ..( آه .. يا لعذابي )..
مهدي عيسى الصقر
انعي إليكم تاريخا ثرا .. من الصفاء و النقاء و الاستقامة و الفكر الوهاج
انعي إليكم نبعا من العطاء و الإبداع و الوطنية ..
و إذا كان الرجل قد غاب عنا .. فان ذلك التاريخ لن يغيب و النبع الذي فجره و استقى من مائه الفرات الأجيال تلو الأجيال لن ينضب .. و لا يشح..
و .. عذرا .. أيها الأخ .. يا شقيق الروح و الفكر .. لقد أردت أن أقول لك و عنك شيئا .. نابعا من القلب و العقل .. بيد أنى اشعر .. أنى قد أخفقت فالألم إذ يعصر القلب و يهرس الروح .. يعطل العقل و يشل اللسان .. و يلجم القلم.


عوني كرومي

النجم و الشهاب


ايّ نجم.... أفل...
ايّ شهاب ... هوى...
أهو من قبيل العزاء ان اظل اردد هذه الكلمات بيني وبين نفسي . الفائضة بحزن من نوع , لم تعرفه نفسي ، ولالها سابق عهد بمثله؟
ارددها همساً حيناَ ... وجهراً أحياناً أخرى. يرنو الىّ من يسمعني عرضاً... دهشة واستغرابا، وربما متسائلاً ، هو الاخر بينه وبين نفسه.. ماذا جرى له؟ ويمضي غير حافل بسؤاله الذي تسحقه اصوات السيارات والماره، او يتلاشى ويضيع في تلا فيف الهواء او بين طيات الصمت الثقيل الذي سرعان ما يلفني ... ويبقى السؤال بلا جواب .. وابقى انا وحدي اسير... شبه غائب عما حولي كالسائر في نومه، ما ضغاً الامي واوجاعي التي فجرهًا في روحي احتراق احد اكبر قديسي المسرح، واحد ابرز علاماته الخلاقة. واعلى راياته الخفاقة... في العراق. خارج العراق في الغربة ، فوق خشبة المسرح المقدسة التي طالما تعبد في محرابها وصلّى وابتهل ما يقارب نصف قرن من الزمان. واوقد قناديله التي أرضعها ،بدل الزيت .. من دمه وعرقه ومن فكره الوقاد ومن نبع خزينه المعرفي والحضاري الثري، الزاخر بالعطاء ، الذي لم يطله النضوب، ناهيك عن الجفاف , يوماً.
الخبر الصاعق الفاجع لا يغادرني... لقد غاب عنا .. عني عوني ... الذي كان بحق عوني انا .. وعون كل من لاعون له، استأثرت به السماء الضَّنين ضناً به، فاستردته ... استردت دفقة النور الوضاء التي كانت تسير بيننا على هيئة انسان من طراز خاص مثقل بالثقافة والعلم والاخلاق، شفاف .. نكاد لفرط شفافيته ان نبصر عروقه النابضه بحب الوطن وروحه الصافية النقية المشعة كالكرستال في وضح النهار.. تصنع لنا مواسم للفرح والامل.. عبر ايات من الفن الانساني السامق.. يغتني بالواقع .. في الوقت نفسه الذي يغني الواقع .. عبر علاقة جدلية بمعطيات التاريخ, قديمه وحديثه, وبوعي أصيل متفتح , ينهل من التجارب المحلية والعالمية كلها.. يتمثلها ويفرزها.. فناً وجمالاً والقاً ... يزيد الحياة بهاءً ونورا بمفاهيم وتعاليم منيرة.. تزحزح كتل الظلام المكتوم .. عن طريقنا ومن حولنا .
آه .. أي نجم قد افل . أي شهاب قد هوى ..!
لماذا هذه الكلمات بالذات ، دون غيرها من بين الاف الكلمات التي تزدحم بها رأسي والتي تتدفق وتسيل مدراراً من الينابيع الوجدانية اللامرئية التي يفجرها الالم الخرافي لهذا الفقد العظيم ؟
من أين، ياترى ، انبثقت..؟ وكيف اقتحمتني, اخترقتني , بهذا الشكل الملحاح وسكنت ضميري واستولت على لساني.. الذي يرددها في السر والعلن؟

هل خرجت من بطون الكتب والقراءات التي تزخر بها تجاويف الذاكرة؟
هل اخترقت اذنى وسكنت جوانحي من الافلام والمسرحيات التي ادمن على مشاهدتها ومتابعتها وقراءتها؟ ام .. ام ان الفاجعة المفاجئه الصاعقة قد حفرتها على لوح خفي منظور، في مكان ما داخل الروح والعقل والقلب.. وأن يدا لا مريئا تضعها نصب عيني بصورة دائمة لاتريمها ولا تنزاح عنها.. وانا لا املك الا ترديدها والاستماع الى صداها ملّء كياني.. صدى هذه الكلمات التي تصرخ من داخلي.. صراخاً يهزّ جدران جسدي.. مثلما فعل الخلاق عوني نفسه بـ " صراخ صمتي الاخرس " مسرحتي التي خلق لها الاف الالسنة .. ومنحها الاف الاصوات الضاجة الصاخبة وجعلها تهزّ.. جدران مسرح الستين كرسياً" وفجرّ فيها دوّياً ردد صداه العراق كله.. وتجاوزه الى الاردن.. والمانيا.. وهولندة .. والدنمارك و..و ..و. منذ اكثر من ربع قرن .. وحتى الامس القريب..
وعوني.. هذا الكيان الديناميكي الغريب، النشط الفعال، لايني بجدد ويبدع ويعيد خلقها من جديد .. في كل مرة.. وفي كل بلد..
انىّ لي ان اصدق بان هذه الكتله البشرية الخارقة من الحيوية والفعل الخلاق يمكن ان يدنو منها الموت، ويسرقها , على حين غفله.. ويغيبها الى الابد؟
كيف لي ان اصدق بان هذا النبع الثرى المتدفق .. باعذب موسيقى الفن يمكن ان يتوقف عن عزف الحانه الساحرة.. ويكف عن الغناء
لا استطيع ان اصدق بان نجماً بهذا القدر من الضياء. وكوكبا بهذا الحجم من النور.. وشهاباً بهذا المدى من السطوع..
يمكن .. ان .. ان ...
لا .. لا .. لابد ان ثمه خطاً ما .. في مكان ما .. والا .. فلماذا تأفل الأنجم المضيئة. وتهوى الشهب الساطعة.. وتغيب الكواكب المنيرة .. وتجف ينابيع العطاء, من حياتنا ، بهذه السرعة؟
بالأمس غير البعيد.. غاب عنا .. ورحل عن عالمنا .. عالم السينما والمسرح الاستاذ الجليل جعفر علي ، احد ابدع الفنانين .. واعمقهم فكراً .. واعظم استاذ عرفته .. اقولها شهادة نابعة من احساس كامل بالمسؤولية الوطنية والضميرية والادبية . وبعده.. بالامس القريب , فقدنا استاذ الاجيال.. واستاذ الاساتذة .. الفنان الخالد جعفر السعدي.. وقبل الجعفرين الشامخين.. ذاك.. وذاك.. و.. ذاك .. وبعد الجعفرين الخلاقين .. هذا .. وهذا .. و .. هذا .. من عباقرة الفن المسرحي و الابداع الاصيل واعلام الوطنية.. يخطفهم " الموت اللئيم " وهم في قمة عطائهم .. يسرقهم بكل خسة.. وبلا خجل .. من عيون وحدقات احبتهم وتلاميذهم ومريديهم في وقت اشد ما يكون الوطن ... ونكون , حاجة اليهم.. الى علمهم.. الى فنهم.. الى .. اخلاقهم
واليوم ، ايها الاحبه .. راح عوني .. افترسه الذئب الذي قال عنه الجواهري
" فوق نيوبه دم اخوتى واقاربي وصحابي .. "
اجل .. رحل عوني .. احد انجب تلامذة الجعفرين الجليلين .. واكثرهم توقداً.. وذكاءً وخلقاً وعطاءً .. واحد أوفى الخارجين من الرحم العراقي الولود واكثرهم التصاقاً بترابه.. وعشقاً لناسه وايمانا بيومه وغده .. وتفانياً في سبيله.
ولقد كان عوني النجم .. وكان الشهاب .. وكان الضياء .
كان .. ؟؟؟
اه.. ما اشد قسوة الكلمات ووحشيتها، بعض الاحيان ، اذ تغدو سكيناً دامية تقطع نباط القلب لاسيما حين تلصق نفسها بمن لاتليق به .. وبالغفلة المتكلم والكاتب اذ تتسلل هذه الكلمة البغيضه، الى خطابه، ..لتلتف، كالافعى ، حول شمعة موقدة، تتلفها .. وتطفئها.. ليحل الظلام..
وكم تصبح اذ ذاك كلمة كريهة .. تفوح منها رائحة الموت .. بل تغدو هي نفسها جثة خارجة من قبر ماض سحيق .. لا ينتمي الى الحاضر ولا المستقبل، اللذين هما عوني .. هما ارث عوني وتراثه الحاضران والمستقبليان .. اللذان يظلان يتغذيان ويغذيان، الان والغد . بكل ما هو سام ونبيل وجميل ويمنحانهما الحياة والديمومة . ما دام ثمة مسرح .. ما دامت ثمة ستارة سحريه ، تنزاح ، اذ تنزاح، عن واقع اخر ... أكثر صدقاً .. وأقرب إلى الحقيقة , لا لكي ينسينا واقعنا ( الذي نحياه) وإنما لينير خفاياه .. ويبصرنا بنواقصه . وتخلفه وأسباب التعاسة فيه .. ليدفعنا الى العمل .. على تغييره .. وخلق العالم البديل ، عالم الحلم على أرض الواقع .. حيث تنتظم فيه الانساق والمفاصل . والدقائق والتفاصيل على نحو أكثر جمالاً وأكثر أكتمالاً .. وأكثر عدالة ..
إذ تطفأ المصابيح الكهربائية الآلية في القاعة .. وتنحسر عنك وعن الناس الأضواء .. تشرق أمامك على الخشبة شموس وتبزغ أقمار .. وتضيء كواكب .. وتشتعل قناديل وشموع ، من كيانات حية .. من أرواح وأجساد .. ومن أحلام ورؤى .. وأمال .. وطموحات ومشاريع .. من .. من بشر حقيقين ،أحالوا انفسهم الى مشاعل للنور و..ودلالات و رموز .. تفتح عينيك لترى أعمق وتبصر أبعد .. وتعبر أزمنة وأزمنة وقارات وقارات .. وأنت جالس على مقعدك ..
ذلك بعض مظاهر السحر الواقعي .. السحر العلمي .. إن صح التعبير ، الذي يقودك به .. واليه سحرة المسرح المجيدون .. ابتداءً من الساحر الأول الرائد الأول حقي الشبلي .. حتى الساحر الأمهر .. الرائد الحاضر عوني كرومي ، مروراً بكل القناديل والشموس والأقمار .. والكواكب .. التي ما تزال تنير .. والتي تعجز عن إطفائها .. كل الكوارث والمحن التي تحيق بالوطن .. انها تظل تشع علماً وفناً وفكراً .. وتعليماً وتسلية أيضاً .. تصنع لنا الفرح في زمن بات الفرح فيه أندر من الامان ، تصوغ لنا السعادة في وقت غدت السعادة أعز من النوم الامن .. تزرع الأمل فينا .. في أعمق أعماقنا بحيث لاتطاله يد ملوثه ..
أجل .. فقد كان عوني .. آه .. من كلمة (كان ) الملعونة هذه ، مرة أخرى التي تسطو سطواً على اللسان والقلم ، وتقحم نفسها إقحاما على الخطاب .. بالرغم من تنافرها وتناقضها مع مفردات حديث يدور عن وجود انسان مترع بالحياة مشع بالالق متشبع بأجنة الغد .. وفنان معطاء .. في عطاء البحر وثرائه .
ترى لماذا لا تبتكر اللغة الغبية .. كلمة أخرى .. سواها ، كلمة لا ترتدي أكفان الموتى .. لتحل محلها .. وتلغيها من قواميسها ومعاجمها واستعمالاتها اليومية .. لاسيما حين يكون الكلام عن عوني وأمثال عوني من الذين تحيا أعمالهم .. وتحيا فيها ومعها أنفاسهم الحرى !
وحتى تلد اللغة العقيمة ومجامعها وأعضاؤها المعطوبون العاطلون .. تلك الكلمة المرجوة والمأمولة ، لا ارى مناصاً من استخدام .. كلمة ( كان ) هذه مع الاعتذار الشديد من عوني أولاً .. ومن عوني أخراً .. وأني سأعول على المعنى الكامن فيها ، الذي يقول به فقهاء اللغة .. أعني معنى الديمومة والاستمرارية ، لا الاقتصار على الماضي حسب . بهذا التخريج فقط يمكن ان تليق الكلمة بعوني .. وترتقي اليه ..وتعبر عن واقع حاله .. ووجوده الحي ، الماثل بيننا ، في أعماله العديدة وفي البصمات التي خلفها في نتاجات تلاميذه وأصدقائه ، وانا منهم
أذن فقد سافر هذا المسافر الابدي و.. ورحل الطفل / الحكيم أو الحكيم / الطفل الضحوك الباسم على الدوام البريء حتى النخاع ... رحل مثل الشهاب وفي عمر الشهاب .. وفي سطوعه أيضاً .. وفي عمر الورد المتفتح للحياة .. الفائح بالعطر والعبق والجمال . ممتلئاً .. بمشاريع لم ينهها وبأمال لم يغادرها .. وبأحلام لم يكف عنها كأي حالم أبدي.. وما ( السبعون ) مسرحية التي ابدعها خلال سنواته القليلات الا بعضاً من تلك الثروة الفنية الغنية التي تفرزها وتلدها طاقاته الابداعية الديناميكية ، التي لم تعرف يوماً ، وما كان ينبغي لها ان تعرف ، التوقف و لا حتى هنيهات لالتقاط الأنفاس وإراحة البدن .. فأنهك قلبه العزيز الزاخر بالمحبة والكنوز .. والمنهك أصلاً .. جراء العمل المتواصل ، ليل نهار ،
آثر ان يحترق في برد نار المسرح المقدسة وسلامها .. وان يحيا ثانية .. قنديلا ً مضيئاً .. لا ينطفيء .. لانه يستمد زيته الخالد من حب الناس الذين أحبهم واحترق في سبيلهم .. كطائر العنقاء .. بيد انه لاينهض من الرماد .. فعوني لن يغدو هو و لا تراثه رماداً تذروه الرياح وانما ينهض كل يوم من بداية أعماله الاولى .. وحتى نهايتها .. او بالاحرى حتى بدايته الاخرى ، التراجيدية المتجددة ، في 27/5/2006 فوق المسرح .. المشدود اليه بكل كيانه واعصابه وعشقه اللامتناهي ، عبر حبله السري الذي يظل يحيا به فوقه ..
في الاضواء ، في النور .. في عيون الناس وقلوبهم وعقولهم .. مادام ثمة مسرح .. مادام ثمة جمهور .. مادام ثمة شعب .
ونهايته او بالاحرى .. بدايته الثانية .. ولادته الثانية ، فوق الخشبة .. ستكون مصدر الهام .. ونبع إبداع .. لكل فنان .. لكل مبدع .. لكل انسان يتوفر فيه الصدق


عادل كوركيس

قديس أخر ، من قديسي المسرح ، يغادرنا

صباح اليوم (4-5-2008 ) بعد الساعة الثامنة ، بدقائق ، او قبلها بدقائق .. أو .. أو .. بقرون أو دهور ، لا
ادري ، لم أعد أدري ، فقد غابت الدنيا ،بكل ازمنتها و امكنتها عن عينيَ ، أو غابت عيناي عنها ، فالدنيا ،بكل مافيها ما تزال قائمة ، أدركت ذلك بعد هينهة ، و ستبقى و لا تزول ، بل هي لا تهتز و لا حتى تتاثر ، بالفواجع مهما تضخمت و خرجت عن أطارها المألوف و لاشت طبيعتها الانسانية .

ماذا يمكن ان يحدث لها ، على اية حال ، و قد ترهلت ... و غدت مشبعة ، حد التخمة و التقيوء بالفواجع .. و الماسي في زماننا هذا الشاذ ... و هي تعيد و تكرر ببرودة صقيعية صدى تلك النبرات المخضلة بالدم ، بدل الدمع ، التي تمتلئ بها و التي سرعان ما تتشربها و تمتصها ... و من ثم تعلنها و تنشرها ، خلال تلافيف الهواء ، و هي تفيض بها .. حد الاختناق .. او تختنق تحت وطاتها ، حد الفيضان ، و تكاد تحترق من لهيب الدموع المدرارة التي تهزَ .. و تخض َ .. و تزلزل نبرات صوت الصديق الصدوق لطيف نعمان و تقطَع اوتاره و تجول في أحشائه بسكين مثلومة صدئة ، يمررها عليها ... جزار فاشي بلا شفقة ... لا يرحم حتى الحيوان ، ناهيك عن الانسان . ليضخ الى الدنيا . و ينقل لي نبا واحدة من اشد الفواجع و أوجعها (و ما أكثرها.. ) التي تلقيتها حتى اليوم ... في عمري المكدود ، الذي بات الزمن القاسي يكوم فوقه ... مصائب فقد الاحبة و فواجع رحيل الاقربين .. و انطفاء الروح في الهياكل البشرية .. التي ما تزال ، رغم ذلك – و اخجلتاه – تدب على اثنتين .. او ثلاث – او اربع ...
و هذه المرة .. تكون فجيعتي المرَة بواحد من أكبر قدسي المسرح ، عشقي الدائم ، و من أكثرهم صدقا و أكتواءً بناره المقدسة . و التصاقاً بروحه الخلاقة ... المحلقة في فضاءات الابداع .. انه .. انه الفنان ، المبدع ، المترجم .. و الانسان الاروع .. (عادل كوركيس) .. الذي غاب – و افجيعتاه – عنا .. و الذي يظل رغم ذلك .. حاضرا .. في ذاكرة احبته و اصدقائه و في ضمير المسرح العراقي ..
أجل بالامس أنطفأ هذا الوهج و كف عن الاشعاع .. و سكت ذلك الانسان المفعم بحب الانسان .. و الوطن ... و خبا ذلك العقل المترع ... بالمعرفة و الثقافة و العلم و الفن .. و المحبة بلا حدود .
لقد كان عادل .. – اه ... ما أشق علي ان اراني مضطرا للحديث عن هذا الحاضر الماثل امامي حيا كالغائب . بلغة الماضي ، كان و سواها .. و لكن لابد مما ليس منه بد . أنه بعض من مظاهر قسوة الاشياء حولنا – لقد كان رجل مسرح بالمعنى العلمي و الحرفي الدقيق . أذ كان منذ البداية أحد أكبر عشاقه . و العشق كالقراءة و الكتابة . و ربما قبلهما .. هو الخطوة الاولى الاساس .. لدخول عوالم العلم و المعرفة و الفن و الجمال . و الحافز الاكبر لايقاظ الوعي و تنشيط العقل .. و توسيع مداه .. و فتح مداركه و اطلاقها نحو الفضاءات التي لا يحدَها حدَ. مارس عشقه للمسرح و عاشه حتى النخاع في دراسة منهجية في معهد الفنون الجميلة ببغداد و واصله و عمقه في "براغ" في دراسة جماليات الهندسة المعمارية ، لصيقة الصلة بالمسرح .. ثم في كلية الفنون في بغداد ... و توج عشقه في الاحتراق في اتون المعرفة ، باللغة الانكليزية في كلية اللغات ... و حقق تفوقا عاليا في ذلك كله .
و على صعيد العمل .. عاش المسرح .. أخراجا و تمثيلا و ترجمة – أخرج مسرحية " في الخمس الخامس من القرن العشرين يحدث هذا " لمحي الدين زنكنه – و مثل فيها . و ترجم مسرحية " البقرة " لناظم حكمت و أخرجها – و كتب العديد من الدراسات في النقد المسرحي ، تحليلا و تنظيرا مثلما قام بهندسة و تنفيذ الديكور لعشرات المسرحيات و ساهم في تصميم الانارة و أختيار الموسيقى .. بهمة و نشاط و أبداع .. و نكران ذات .. نادر المثال ...
و فوق كل هذا و ذاك ، و قبلهما و بعدهما ، كان عادل – آخ من "كان" اللعينة هذه – أنسانا شفافا .. تكاد ترى الدم يجري ، مختلطا بالنيكوتين و الدخان و الشاي ، في عروقه التي لا يكسوها .. سوى الجلد .. بعد ان اكلت جهوده و أنشطته لحمه و لم تترك له سوى الجلد و العظم .

 

لم اره يوماً يخاصم احداً، مع انه كان شديد الصدق مع نفسه و مع الاخرين ... و لكن بلا عناد و لا تعصب و في مبداية عالية و خصوبة فكرية طرية دائماً و روح ديمقراطية مفتوحة . أذ كان يقابل من يختصم – او بالاحرى ، من يختلف معه في الراي ، فهو ما كان يعرف ان يخاصم احداً – بنقاش معرفي هادئ ... لين .. و لكن ، في الوقت نفسه ، صارم .. لا ينافق و لا يهادن و لا يساوم ..
كنت أقول له مازحا ، و جادا الجد كله ، و انا اعني كل حرف أقوله :
-        ياعادل انت لست مسيحيا .. انت المسيح نفسه !!!
و كان ثغره المتواري عن الانظار ، يفتر عن ابتسامة خجول .. تخترق ، بضعف و هشاشة ، شعرات لحيته الكثة .. التي أطالها ، في البداية ، منجاة له من مطاردات ميليشيات الجيش اللاشعبي ، و صياديه الماكرين .. و عيونهم الواشية المبثوثة في كل مكان .. مثل روائح المزابل النتنه و هوائها العفن الفاسد ... ثم ثم لم يلبث ان تعلق بها و رباها .. فاضفت عليه فعلاً هيئة قديس في القرن العشرين و الحادي و العشرين .

قلت له ذات مرة مداعبا ... و كان قد عاد طالباً مثابراً ، بعد ان انهى دراسته للمسرح في كلية الفنون بتفوق . كالعادة ، في كلية اللغات / اللغة الانكليزية – و كان على اعتاب الستين او دونها بقليل :
-        ألا قل لي ياعادل ... ماذا تفعل بلحيتك هذه . اذ تدخل المحاضرة ( الصف )
أطلق هذه المرة ضحكة عالية صافية ، صفاء روحه التي لا تشوبها شائبة و قال :
-        اتركها خارج الصف ...
ثم راح في قهقهة ... بمرح .. و هو يضيف :
-        أتدري ، ابو ازاد ، ذلك أمر .. لم أفكر فيه حتى الان .. ها ها ها ..

عاش عادل كوركيس سنوات الظلام كلها . في العراق و لم يهادنها قط . ابت عليه غيرته ووطنيته و انسانيته و تقدميته ان يصالح .. او يتصالح مع قوى الظلام و الموت .. و عانى جراء ذلك ماعانى من جوع و فقر و ملاحقات .. و لكنه ظل ، صامدا ، ابيا، شامخا .. قويا ..محاربا ... مقاوما .. بفنه ...بعلمه حتى تهاوى كل الاقزام تحت الاقدام
طوبى لعادل ، طوبى لهذه الروح الشجاعة ، الخلاقة، المودعة في ذلك الهيكل .. النحيف ، النحيل . و هو يشع .. يعمل بدأب .. يتعلم و يعلَم .. يكتب و يخرج و يمثل .. و يترجم روائع المسرح العالمي .. يهندس .. يدوكر .. الخ .. يساهم .. بكل ما يستطيع . في صياغة الضمير الوطني للانسان العراقي .. و للانسان في كل مكان .. يرفده و يسبقه من فيض عطائه ... بايات الابداع و الجمال ..

بلا دموع .. و لا بكاء .. و لا نحيب .. أقول لهذا الانسان الفريد ...
وداعا ايها العزيز .. أو .. أو ... الى اللقاء ..
من .. يدري .. من يدري ...ماذا يجري في هذا الزمن الشقي .. و ماذا يتنظر الواحد منا .....

 

 

جليل القيسي

أنسانا و صديقا نادرا

بقلب يفطره الاسى  , وبعيون تنز دما ,وبروح يفتتها الوجع , انعى الى مبدعي العراق ومبدعي العالم في كل مكان , المبدع الالمعي سيد القصة والمسرح في العراق “جليل القيسي” , احد ألمع “جماعة كركوك” الذين رفدوا الحياة الثقافية والفكرية في العراق – منذ اواسط الستينيات – بأسمى ايات الفن الخلاق والادب الانساني والفكر التقدمي الوضاء … وشقوا بأقلامهم الرصينة الصادقة طريق الابداع في الصخور وبين الادغال , وشتلوا فيها كل ما هو جميل و نافع يمنح الانسان قوة الحقيقة والحق والجمال
 و يزحزح ظلمات الطغاة التي تسعى الى اطفاء النور .
 لقد غدر به الموت – الغادر دائما- بعد مرض عضال لم يمهله طويلا ليلة 27/28 تموز وهو في قمة عطائه وخصبه وتواصله في إثراء الحياة الفكرية و الادبية في العراق , بروائع أعماله منذ مايقارب نصف قرن من الزمان .
انعى اليكم , أيها الاحبة , صديقا وأخا كبيرا ورفيق عمر تجاوز الخمسين عاما… وإنسانا نادر المثال لايجود الدهر الشحيح بأمثاله إلا بعد أحقاب وأحقاب وبعد مخاضات عسيرة وأليمة .
بغياب القيسي الكبير , الذي ليس بوسعي وأنا تحت وطأة الألم وبين أنياب الوجع سوى أن أقول ان القصة في العراق لن تكون كما كانت بوجوده , وان المسرح لايبقى مثل ما كان … بل ان الحياة برمتها لاتعود كما كانت … فان خللا مريعا قد اصاب كل شيء وان فراغا كبيرا قد حل .



جعفر علي

ستظل حياً في العقل و القلب

 (جعفر علي ..... ستظل حياً في العقل والقلب )     

أحبتي الاعزاء .. أصدقائي الأجلاء .. السلام وعليكم .. 

البقاء لجعفر علي ..الخلود لجعفر علي .. السلام على روح جعفر علي ...

قبل أربعين يوما حسب.. أصابني .. وأصاب .. الفن العراقي الاصيل.. والثقافة العراقية الخلاقة , في شتى حقولهاوفراديس إبداعها , جرح .. ليس كالجروح التي تصيب الانسان والتي سرعان ماتلتئم, بعد عام أو عامين أو عقد من السنين أو .. انه جرح من نوع آخر شديد العمق , بعيد الغور.. مفرط الوجع .. بفقد واحدٍ من عمالقة فننا وثقافتنا .. 

اليوم ..! ما أشد قسوة الاشياء من حولنا! اليوم يتوجب علينا ,نحن أحبة جعفر علي وعشاق فنه .. الناهلين من ينبوع ثقافته, أن ننزع القشور عن هذا الجرح الندي أمام بعضنا وأمام أنفسنا .. عن هذا الجرح الذي لما يلتئم
وما أحسبه ملتئماً .. ذات يوم .. ما العمل إنها بعض مظالم زماننا الذي لايعرف الرأفة بناسه .

أحبتي.. ثمة فواجع مفاجئة صاعقة , تخترق الانسان حتى النخاع بصورة أكثر وجعاً وتدميراً وفداحة من الصواعق التي تضرب المباني الشوامخ والعمارات العملاقة .. فتهيرها .. وتجعلها صفصفاً, أو أكوام حديد
وأحجار محترقة.

وإذا كان العلم قد حصّن المباني والعمارات بما يقيها ويحميها من آثار الصواعق الكارثية- ولو بحدود –
فأن الانسان, هو الاخر, قد أخترع لنفسه ما يقيه ويحميه أيضاً .. بيد أنه ليس في قدرة ذاك .. ولا في فاعليته
وقوته.. إذ هو لا يقي الواحد منا ولا يحميه إلا لدقائق أو ثوان معدودات .. وسرعان ما تصعقه الحقائق وتصفعه
الوقائع ..

وحين تلقيت فاجعة غياب صديقي وأستاذي جعفر علي ,ورحيله الابدي عن عالمنا صُعقت .ولكي أصمد أمام
هول الصعقة, ولو مؤقتا لبضع هنيهات أستعيد توازني النفسي والجسدي .. أستنجدت بمانعة صواعقي الخاصة
التي تخترعها القوى الكامنة في الكائن البشري ليستعين بها وقت الحاجة , وقت مواجهة الكوارث .إلا أني وجدتها
قد انهارت قبل انهياري .. وتعطلت كلياً وفقدت كل فاعلية وجدوى من شدة الصدمة فاستغثت بخيط أمل أن يكون هناك خطأ. في هذا الخبر /الفاجعة. في هذا النبأ/ الكارثة , هكذا هو حال الانسان الضعيف الموشك على الغرق.. في خضم البحر الغاضب , الهائج ,المائج , بلا حول ولا قوة .. يبتهل ويتوسل الى القشة الهشة: ان .. أن كوني سفينة إتقاذ أو .. أو في الاقل , لوح نجاة .. ولكن بلا جدوى .. فالكارثة حاصلة.. والفاجعة واقعة.. لا مهرب ..ولافرار .. ولا ملاذ...

كثيرون هم الناس الذين لا تعني حياتهم , وكذلك موتهم, شيئاً لأحد , حتى لأقرب المقربين إليهم , فان حياة متكلسة
معطوبة,تمتد وتتواصل ,وتستمر, بين عويل الميلاد وصراخه .. وثم افراحه واتراحه.. وبين حزن الموت ونحيبه
لا تستأثر باهتمام الاخرين.. ولا تثير عدا سؤالاً واحداً,بريئاً أو خبيثاً .. هل كان صاحبها حياً ذات يوم؟ أكان لوجوده حقا؟

وقليلون هم أولئك الذين تتواصل حياتهم وتستمر, بعد غيابهم الجسدي عنها.. بل تبدأ حياتهم , البداية الحقيقية الأقوى,الاكثر خصبا وثراء, والاكثر اثارة للأسئلة الحبلى الولود الت تظل تلد الاسئلة .. وجعفر علي , أحد هؤلاء
القلة النادرة , الذين باتوا يقلون ويندرون يوما بعد يوم , في هذا الزمن البائس التعيس , الذي لا يقدّر رجاله الافذاذ
ولا يعرف كيف يرعاهم .. كما يرعى البستاني زهوره النادرة , بل ولا يتركهم على حالهم. ولا يوفر لهم القدر الادنى من الحرية للتفتح والابداع .. ويظل يقتنصهم واحداً  بعد الآخر .. أو يقذف بهم خارجاً .. الى .. الى المجهول .. حيث الغربة والجوع والشقاء ..

بيد أن جعفر علي النابت من الارض .. الملتصق بترابها , المتشرب حتى النخاع هواءها وماءها , الممتلئى بها وبحبها بكل مسامات الجلد وفضاءات الروح , المثقف والمفكر الشجاع ,المقاتل والمحارب,بالكلمة .. والصورة
والموقف .. والتماعات الفكر الوقاد واشراقاته .. ضد التفاهة والزيف والرخص في الفن والسلوك والحياة ..
سيظل الفنار الذي  تهتدي بأنواره , الى مرفأ الامان والعطاء سائر السفن المبحرة في بحر الحياة والفن الاكثر لجباً وصخباً , والاعمق متعة وابهاراً , بحر الفن الانساني اللا محدود واللا متناهي .. متزودة ببوصلة مسيرتها
ناهلة من النبع الصافي الثري , هادياً السائرين في درب المخاض الطويل, المخفوف بالالام والمخاطر والاوجاع
ولكن,وفي الوقت نفسه, والمبشر بالميلاد الجديد المترع بالحياة , المستقدم للغد الأفضل ..والمستقبل الأرغد ..

أيها الاحبة ..لست هنا بصدد الحديث عن جعفر علي , الفنان الشامل .. السينمائي المسرحي . الموسيقي(1) المخرج .. المبدع الخلاق في كل تلك المجالات .. ولا عنه باعتباره المعلم الاصيل والاستاذ الاكاديمي , ذا الثقافة الموسوعية الشاملة .. الذي لم يسعفني الحظ أن اكون أحد تلامذته على مقاعد الدراسة والتعلم.. ولكن الزمن البخيل في كل شيء, وعلى خلاف عادته معي .قد حباني ,برفقة طويلة .. امتدت عقوداً , بلا انقطاع, منذ مسرحيتي " السؤال(2)" عام 1976, التي منحها الحياة على خشبة المسرح , وفي أفئدة الجماهير وعقولهم ..
وانا لما اضع بعدُ قدمي على طريق الخلق والابداع ...

بالفخر كله .والاعتزاز كله .. أقول أن جعفر علي هو واحد من اساتذتي الأجلاء من الذين ثبتوا .. قلمي وعقلي وقلبي .. في طريق الفن .. الفن المناضل المكتوي بنار الصدق .. الباحث بمصباح ديوجين في دياجير النهار , قبل ظلمات الليل عن الانسان .الفن الحافر باظافر  دامية في الصخور والاحجار والجبال .. ليفجرها ينابيع للحياة ,متدفقة بحبّ الشعب ,حدّ الاستشهاد في سبيله .. والسعي الدائب لتحقيق غده الارغد في وطن ينعم .. بالحرية والسعادة ..

أيها الأخوة .. لست بصدد الحديث عن كل ذلك .. فقد يكون لهذا الحديث وسواه كثير .. وكثير جداً . وقت آخر .. ومكان آخر , إما معه , هناك , حيث شتلناه قبل اربعين يوماً .أو هنا .. حيث فرغت حديقة الحياة من أكبر دوحة
وازكى عطر تبثه في ثناياها أجمل زهرة....  

إذا كان الرجل العظيم هو من يعطي أكثر مما يأخذ, ويهب أكثر مما يكسب . ويضحّي أكثر مما ينال , ويزهر أكثر مما يقطف, ويزرع أكثر مما يحصد .. فأني أشهد وأشهد معي الكون.. بأن جعفر علي قد أعطى دون أن
يأخذ .. ووهب وأزهر وشع ودون أن يطمع أو يفكر في مكسب ... في ترفع وزهد .. لا مثيل لهما . أني أمامكم
وأمام التاريخ, وبمسؤولية ضميرية وتأريخية .. اقول إن جعفر علي أحد العظماء الذين أختطفهم منا الزمن الغادر
وسرقهم بلا حياء ولا خجل ..

في قصة قصيرة لتشكوف ثمة سيّدة تدعى " أولكا إيفانوفا" مهووسة بالعظماء والمتميزين والمبرزين في المجتمع
فتحيط نفسها بحفنة من أدعياء العظمة التافهين المستغلين المنتفعين... هملة زوجها .. الطبيب العالم المتفاني في سبيل المرضى , الذي يعمل ليل نهار في خدمة العلم وانقاذ الناس من الامراض الفتاكة , بنكران ذات. ويدفعه فرط انسانيته وايمانه بعمله أن يمتص صديد الدفتريا وجراثيمها من حلق صبيّ موشك على الموت فينقذه من موت محقق ويكتب له حياة جديدة , مضحياً بحياته بلا تردد , فيقول عنه أحد أصدقاء أولكا .. كلمة صدق وحق
((لقد كان على خلافنا جميعاً .. رجلا عظيماً, وممتازاً. نفس من البلور الصافي . كان يخدم العلم وضحّى في سبيل العلم آه .. ما أفدح خسارة العلم فيه)) .. لقد مضى العالم العظيم .." ديموف" مجهولا حتى من قبل زوجته طاويا عظمته في نفس كبيرة سامية تأبى الادعاء أو الدعاية الرخيصة . والاعلان التجاري النفعي ...وترفض الرخص ..والابتذال ..

و"أولكا ايفانوفا" هنا ليست الزوج حسب, وليست المرأة أو الرجل فقط .انما هي الواقع في ترديه نحو الهاوية
إنما هي المجتمع في غبائه المستشري .. هي العصر النفعي اليرجماني في تعامله .. هي الزمان الرديء والمكان
السيء .. فمتى .. ننتبه الى ذلك .. ونتخلص من "أولكا" ولا نظل نندب "ديموف" .. ولا نتحسر على جعفر علي
ولانصرخ .. آه يا جعفر علي ما أفدح خسارة الفن فيك .. ما افدح خسارة التعليم فيك .. أيها البللور الصافي ..النقي .. الشفاف ...

مجداً لجعفر علي , الخلاق الامهر , الذي سرقه منا الزمان اللص ..مبكراً جداً .. وهو في قمة العطاء .. وأوج الابداع ....
و.. آملاً .. الا يسلبنا .. وفاءنا له .. ولتراثه الثري .. ولتأريخه المجيد بذلك نصون جعفر علي ..وندعه يحيا بين ضلوعنا .. وفي عقولنا .. ولن تغيب شمسه  فينا .


14/3/1998  بغداد

 

في اذار – 1998- أقامت دائرة السينما والمسرح , حفلا تأبينياً بأساً فقيراً لواحد من أكبر رواد السينما والفن في العراق , وأغناهم فكراً وإبداعاً وخلقاً وعطاءً هو جعفر علي , الاستاذ الاكاديمي المرموق, والمخرج الفنان الأمهر. والمثقف الموسوعي الكبير وقد دعي اليه كاتب هذه السطور,فتحدث عن صديقه الحميم الراحل المقيم .
ثم جمع مراسل جريدة" الجمهورية"الكلمات التي ألقيت في الحفل ونشرتها ما عدا هذه الكلمة , التي لم تنشرها ولم تعدها اليّ على الرغم من المطالبات العديدة بها. فلم أجد بدّاً من العودة الى " المسوّدات" المكتوبة على قصاصات متفرقة أجمعها ثانية وأنشرها هنا اعتزازاً بالفقيد الغائب الحاضر ابداً... وتساؤلاً عن سبب امتناع الجريدة عن نشرها وأيضا توضيحاً بأن هذه الكلمة قد تكون مختلفة بعض الاختلاف البسيط  عن تلك التي القيت في الحفل .. ولكنها تحتفظ كلياً بروحها ونهجها .. بلا تغيير ولا تبديل .. سوى كلمات ممسوحة لم تعد قابلة للقراءة, بعد هذه السنوات الطوال .

محي الدين زنكنه
14/3/2010  السليمانية

--------------------------------------------------------------------------------------------------------

(1) في مسرحية "فيت روك" لبيتر بروك.. التي كانت صرخة قوية ضد الحرب القذرة في فيتنام .. وقد أبدع جعفر علي أيّما إبداع في إخراجها وقيادة تلك المجاميع الكثيرة من الممثلين والممثلات .. ولعلها المرة  الأولى التي يشاهد فيها الجمهور مسرحية إحتفالية بهذه الضخامة .. وبهذا القدر الخلاق من الغنى والتنوع .. لقد كانت بحق مسرحية رائدة بكل ما فيها .. من الرؤية الاخراجية العميقة الى التمثيل الجماعي المثقف ( عشرات من طالبات وطلاب أكاديمية الفنون الجميلة ) ممن يتعامل  معظمهم للمرة الأولى مع المسرح.. أمام هذا الجمهور الغفير , وفي هذا الفضاء الشاسع المفتوح (قصر الأخيضر) وقد وضع لها الراحل الكبير .. أغاني وألحاناً في غاية الروعة والجمال والابداع .. وفجّر تلك الحناجر الشابة,التي لم تمارس الغناء من قبل .. بألحان كورالية متناسقة ومتناغمة .. ورددت آثار الاخيضر وأطلالها المهملة والمتروكة والمنسيّة .. صدى الاصوات الشابة العذبة التي تصدح بأغان في غاية الروعة والكمال ..

وفي مهرجان الاغنية السياسية .. الذي اقيم انتصاراً لشعب شيلي في مواجهة الفاشية الجديدة للعقداء السود .. وضع فقيدنا أكثر من لحن .. وأغنية مثلما وضع ألحان سائر أغاني مسرحية "السؤال" لكاتب هذه السطور ..
وكانت مثار أعجاب الجمهور العريض الذي كان يتسايق على الحضور..

(2) بخصوص مسرحية  " السؤال" التي أستغرق الاستعداد لها .. وعرضها شهوراً عدة .. كنا خلالها في لقاءات شبه دائمة .. لا بد لي من تحفيز الذاكرة وتنشيطها لا ستذكارها .. والكتابة عنها ذات يوم ..

                                                                                         

 

Copyright © 2010 muheealdeenzangan.com, All rights reserved.   Home Contact us